لو أنصف الدهر…/ المهندس محمد نوح سيدي حامد

كنت أفضل أن يكون غيري من يقوم بكتابة هذه السطور و ترددت كثيرا قبل أن أقوم بنشرها نتيجة للقرابة الدموية بالمعني والتي تجعل من غير المستصاغ عند البعض أن أكتب فيه بموضوعية وتجرد ولكني ربما أعرف عنه أكثر من غيري إضافة إلى كوني لم أجد من يكفيني عناء كتابة هذه الكلمات.

– عمار الشيباني: مهندس ألكترو-تكنيك.
– خريج من مدرسة الحسنية للمهندسين بالمغرب.
– الأول من دفعة المهندسين المتخرجة سنة 1983.

خدم هذا الرجل طيلة مسيرته المهنية الدولة الموريتانية كغيره من أبنائها المخلصين الذين يتمتعون بكفاءة عالية و يتحاشون بشكل دائم الظهور أمام أضواء الكاميرات و وسائل الإعلام.

سأحاول أن أسرد بشكل مختصر أهم محطاته المهنية ودوره في هندسة وتخطيط مشاريع من أهم المشاريع التي عرفتها الدولة الموريتانية منذ نشأتها.

المحطة الأولى:

– كانت الشركة الوطنية للصناعة والمناجم “أسنيم” أول محطاته المهنية حيث عمل بها ما يقارب 21 عاما قبل أن يقدم إستقالته سنة 2004 نتيجة للمضايقات التي تعرض لها والخلافات مع بعض الجماعات التي كانت تسير الشركة أنذاك.

خلال هذه الفترة كان له الفضل بعد الله عز وجل في دراسة وهندسة مشروع من أهم و أكبر مشاريع الدولة الموريتانية أنذاك والمعروف ب مشروع:
13 VILLES.

الهدف من هذا المشروع هو كهربة جميع الولايات و المقاطعات الواقعة على خط الأمل أو المحاذية له، كذالك بعض المدن الأخرى، والتي كانت قبل هذا المشروع تعيش في ظلام “بدون كهرباء”.

شمل هذا المشروع العملاق كهربة كل من المدن التالية :

بوتلميت، ألاك، بوكى، مقطع لحجار، كرو، كيفه، سيليبابي، امبود، تجكجة، اكجوجت وصولا إلى لعيون، النعمة وتمبدغة في الحوض الشرقي.

نتيجة كثرة التنقلات بين مختلف المحطات الكربائية وصعوبتها في تلك الفترة حيث لم تكن هنالك طرق معبدة ظل الرجل يعاني من آلام في العمود الفقري كلما أطال الجلوس أو القيام حتى الآن.

المحطة الثانية :

قدم الرجل إلى إنواكشوط قادما من إنواذيبو ليبدأ محطة جديدة من حياته المهنية كان في بدايتها يعيش في منزل متواضع مستأجر مع أسرته في مقاطعة تيارت وسيارة معارة من أحد أصدقائه قبل أن يحصل على سيارة عمله.

– كانت المحطة الثانية الكبرى في مسيرة هذا الرجل هي “آفطوط الساحلي”، هذا المشروع الكبير الذي كانت تكلفته الإجمالية 452 مليون دولار.

فشلت أنظمة متعاقبة على أن يرى النور وقد نجح بعد توفيق الله عز وجل في الإشراف على جميع محطاته التنفيذية طيلة 6 سنوات من العمل المتواصل، ليل نهار حتى قام بتسليمة للشركة الوطنية للمياه بعد إكماله على أحسن وجه سنة 2011.

تخلل هذه السنوات الكثير من الأسفار إلى خارج الوطن والسهر والإرهاق المتواصل، أتذكر أنه كان في بعض الفترات يخرج من البيت بعض صلاة الصبح مباشرة ويرجع بعد صلاة العشاء في وقت متأخر من العمل.

كنا نطلب منه أن يخرج معنا في عطلة الأسبوع من البيت لإستنشاق بعض الهواء لكنه في الغالب يعتذر لأنه كان يعمل خلال عطلة الأسبوع من بيته.

بشهادة بعض من عملوا إلى جانبه ممن التقيت بهم، كان أول من يأتي للعمل وآخر من يخرج من مكتبه.

للتذكير الهدف من مشروع آفطوط الساحلي هو تغذية العاصمة انواكشوط بالمياه الصالحة للشرب عبر نهر السنغال.

لعل للبعض أن يقول أن هناك أحياء سكنية في العاصمة لا زالت تعيش في عطش حتى اليوم، غير أن ذالك الأمر لا يتعلق بعجز في مصادر المياه وإنما هو مشكل متعلق بشبكة التوزيع المتهالكة والتي لا تصل إلى جميع أنحاء العاصمة.

المحطة الثالثة والأخيرة:

بعد إكتمال مشروع آفطوط الساحلي بدأ الرجل في دراسة مشروع طموح لدراسة إنشاء مؤسسة وطنية لإنتاج الطاقة عن طريق الغاز.

بعد عام ونصف انتهت علمية دراسة الجدوائية التي خلصت إلى إنشاء المؤسسة بالفعل سنة 2013 وإيجاد التمويل اللازم لتنفيذ المشروع الطموح بمجهودات شخصية عن طريق شركاء دوليين وتوقيع عقود مع مؤسسات على المستوى الوطني لإستهلاك المنتوج من الطاقة الذي كان سيحقق الإكتفاء الذاتي لموريتانيا من الطاقة.
وكانت الشركة تخطط لتصدير الفائض من الطاقة لدولة السنغال الشقيقة.

في نهاية المطاف تمت عرقلة هذا المشروع الطموح من طرف النظام السابق لأن الصفقات داخل الشركة كانت تمر عن طريق مسارها الصحيح وليس بالطريقة التقليدية التي يمكن للبعض جني الأموال الطائلة منها، وربما لمعرفة صناع القرار به أنذاك، لم يجرأ أحدهم على مواجهته بفعل دنيء، كأن يطلب منه التدخل لصالح شركة معينه من أجل إعطاء بعض الصفقات الكبرى، وبالتالي لم يكن هناك حل سوى إبعاده ومنعه عن أن يكمل ما بدأ فيه.

أحيل المشروع إلى وزارة الطاقة، كنوع من وأد المشاريع في بدايتها. و بقيت جميع الملفات عرضة للغبار في أحد مكاتبها إلى يوما هذا.

تم عرض مناصب رخيصة على الرجل بعد قرار الدولة إيقاف المشروع كنوع من محاولة المحافظة على بعض ماء الوجه ولكنه رفض ذالك واختار أن تكون تلك آخر محطاته التي قدم من خلالها لوطنه كلما ما بوسعه وعمل بجد وصدق، وكان ليختم مسيرته المهنية بإنجاز كان سيكون في صالح الدولة الموريتانية التي مازالت حتى اليوم تعاني من عجز على مستوى احتياجاتها من الطاقة.

نتيجة لعدم معرفتي ببعض المصطلحات والمفردات التقنية باللغة العربية لم يكن بإستطاعتي إعطاء الكم الكافي من المعلومات عن حجم هذا المشروع الضخم ولكني سأترك لكم رابطا في النهاية لمن يريد الإطلاع على بعض التفاصيل التقنية.

نيجة لعلاقات الرجل الحسنة على المستوى الوطني و الدولي تلقى عدة عروض للعمل خارج البلاد من شركات أجنبية، لكنه إختار أن يبقى داخل وطنه.
وظل يعمل كإستشاري مستقل لبعض مكاتب الدراسات في عدة مجالات من أهمها:

– Conception et études des projets.
– Passation des marchés
– Elaboration des dossiers d’appel d’offres.
– Evaluations des offres.
– Négociations des contrat…..
– Suivi de l’exécution des projets. d’infrastructures de production et de distribution d’Eau et d’Electricité.

Pour ceux qui sont intéressés et qui veulent en savoir davantage, je vous laisse découvrir son profil sur LinkedIn :
https://www.linkedin.com/in/cheibani-amar-92862b70

من المؤسف جدا عدم الإستفادة من مثل هذه الكفاءات الوطنية المستقلة والتي نحن في أمس الحاجة إليها بدل مراعاة بعض المعايير الأخرى كالتوازنات الإجتماعية والقبلية على حساب الكفاءة والأهلية.

المهندس محمد نوح سيدي حامد.
باريس، بتاريخ 12/08/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *