*محمد عبد الله ولد بين يكتب :”ضرائب الهواتف والتحويلات: بين الإصلاح المالي والضجة المفتعلة”.. 

أثارت الضرائب المفروضة على خدمات الهواتف والمكالمات وتقنيات التحويل موجة من الجدل، تجاوزت في بعض الأحيان النقاش الاقتصادي الرصين إلى حالة من التعبئة العاطفية. وبين من يراها ضرورة إصلاحية، ومن يصورها كاستهداف مباشر للمواطن البسيط، تتطلب القضية قراءة أعمق تتجاوز الشعارات.

*أولًا: لماذا تتجه الدول إلى هذا النوع من الضرائب؟*

الضرائب على خدمات الاتصالات والتحويلات الرقمية ليست استثناءً محليًا، بل تُعد من الأدوات الشائعة في كثير من الدول النامية، وذلك لعدة أسباب:

اتساع القاعدة الضريبية: خدمات الهاتف والتحويلات تشمل شريحة واسعة من المستخدمين، ما يجعل التحصيل أكثر انتظامًا وأقل تكلفة إداريًا.

سهولة الرقابة: المعاملات الرقمية أكثر قابلية للتتبع من الأنشطة النقدية غير المهيكلة.

محدودية التشويه الإنتاجي: مقارنة بضرائب الإنتاج أو الاستثمار، تُعتبر ضرائب الاستهلاك أقل تأثيرًا على تنافسية الاقتصاد.

في ظل ضغوط المديونية وتراجع بعض الموارد التقليدية، تسعى الحكومات إلى تنويع مصادر الإيرادات بدل الاعتماد على الاقتراض أو طباعة النقود، وهما خياران يحملان مخاطر تضخمية واجتماعية أكبر.

*ثانيًا: البعد الاجتماعي… هل يدفع الفقير الثمن؟*

الانتقاد الأكثر شيوعًا يتمثل في القول إن هذه الضرائب تمس الفئات محدودة الدخل، بحكم أن الهاتف أصبح أداة يومية أساسية. هذا الطرح يطرح سؤالًا مشروعًا حول عدالة التصميم الضريبي.

غير أن التقييم الموضوعي يتطلب النظر إلى:

نسبة العبء مقارنة بالدخل

إمكانية إعفاءات أو شرائح مخففة

كيفية توظيف العائدات (هل تُوجَّه لدعم اجتماعي؟)

الضريبة في حد ذاتها ليست ظلمًا، لكن الظلم يكمن في غياب العدالة أو الشفافية في استخدامها.

*ثالثًا: الاقتصاد الرقمي بين التنظيم والمقاومة*

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في تقنيات التحويل والدفع عبر الهاتف، ما ساهم في:

إدماج شرائح واسعة في النظام المالي

تقليل الاعتماد على النقد

تعزيز الشمول المالي

لكن هذا التوسع خلق أيضًا منطقة رمادية تستفيد منها بعض الأنشطة غير المنظمة. فرض ضريبة في هذا السياق يُفهم أحيانًا كخطوة لتنظيم القطاع وإدماجه في الدورة الاقتصادية الرسمية.

وهنا يتقاطع البعد الاقتصادي مع البعد السياسي: فكل انتقال من اقتصاد غير رسمي إلى اقتصاد منظم يخلق مقاومة من المستفيدين من الوضع السابق.

*رابعًا: من الضريبة إلى الضجة…* كيف تُصنع التعبئة؟

اللافت في الجدل القائم هو سرعة انتقال النقاش من سؤال اقتصادي تقني إلى خطاب تعبوي حاد. ويُلاحظ في هذا السياق:

اختزال القرار في عبارة “استهداف المواطن”

تجاهل البدائل الممكنة (الاستدانة، خفض الإنفاق، التضخم)

تضخيم الأثر دون أرقام دقيقة

هذا النمط من الخطاب يحوّل قضية مالية إلى معركة رمزية بين “الدولة” و”الشعب”، وهو تبسيط لا يعكس تعقيد الخيارات الاقتصادية.

*خامسًا: بين الحق في النقد وواجب المسؤولية*

من الطبيعي أن تُناقش أي سياسة ضريبية وأن تخضع للنقد، بل إن ذلك مؤشر على حيوية المجال العام. لكن الفرق كبير بين:

نقد يستند إلى أرقام وتحليل

وضجة تبنى على التخويف والتجييش كما هو حال الهجمة الانتقائية الغوغائية التي تطال شخص الوزير الاول!

النقاش المسؤول يطرح أسئلة من قبيل:

ما حجم الإيرادات المتوقعة؟

كيف ستُصرف؟

هل توجد بدائل أقل كلفة اجتماعية؟

هل هناك إجراءات موازية لمحاربة التهرب الضريبي؟

*أما الضجة المفتعلة فتركز على الشعار، لا على الحل.*

*سادسًا: الشرط الحاسم… الثقة*

جوهر الإشكال ليس الضريبة في حد ذاتها، بل مستوى الثقة بين المواطن والدولة.

فحين تكون الثقة مرتفعة، يُنظر إلى الضريبة كواجب مدني.

وحين تتآكل الثقة، تتحول إلى عبء سياسي.

من هنا، فإن نجاح أي إصلاح ضريبي يتطلب:

شفافية في الإعلان عن العائدات

وضوحًا في أوجه الصرف وهي أمور تضمنها خطاب معالى الوزير الاول أمام البرلمان.

إجراءات موازية لمحاربة الفساد

حماية الفئات الأكثر هشاشة، تجسدت تلك الإجراءات في سياسة الحكومة الرامية إلى محاربة الفساد.

فالإصلاح المالي دون إصلاح مؤسسي يظل ناقصًا.

 

الضريبة على الهواتف والمكالمات وتقنيات التحويل ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من نقاش أوسع حول كيفية تمويل الدولة في ظل اقتصاد متحول وضغوط مالية متزايدة. وبين من يراها ضرورة إصلاحية، ومن يرفضها بدافع القلق الاجتماعي أو الحسابات السياسية، يبقى المعيار الحاسم هو:

العدالة في التطبيق

الشفافية في التسيير

والأثر الملموس على حياة المواطنين وهو تحدث عنه معالي الوزير الاول بكل شفافية وجرءة.

فالسياسات الاقتصادية تُقاس بنتائجها لا بضجيجها، وبقدرتها على تحقيق توازن بين الاستدامة المالية والإنصاف الاجتماعي.

زر الذهاب إلى الأعلى