*محمد عبد الله ولد بين يكتب :*  المسؤولية الجماعية في سياسات الضرائب/

*قراءة قانونية – أخلاقية – سياسية في إشكالية تحميل* *المسؤولية وضجة “الضرائب المفتعلة”*

تثير السياسات الضريبية، بحكم طبيعتها الحساسة، موجات جدل تتجاوز مضمون النصوص إلى الأشخاص والرموز. وعندما تُصوَّر مكافحة التهرب الضريبي كأنها “استحداث ضرائب جديدة”، يتحول النقاش من مسألة قانونية تقنية إلى معركة سياسية وأخلاقية لتصفية الحسابات والغل المتجذر. *هنا تبرز الإشكالية:* إذا كانت المسؤولية جماعية، فلمن تُحمَّل فعليًا؟

أولًا: البعد القانوني – الشرعية الإجرائية

في الأنظمة الدستورية، لا تُفرض الضريبة بقرار إداري منفرد، بل عبر قانون مالية يُصادق عليه البرلمان، مثل الجمعية الوطنية.

*من حيث الشكل:*

الحكومة تقترح مشروع القانون.

البرلمان يناقش ويعدل ويصادق.

الرئيس يصدر القانون.

الإدارة تطبق.

قانونيًا، إذن، المسؤولية مؤسساتية متسلسلة وليست فردية.

الوزير الأول مسؤول سياسيًا عن البرنامج الحكومي، لكن لا يمكن قانونًا عزله عن السياق المؤسسي الذي شارك في صناعة القرار.

من هذه الزاوية، تحميل المسؤولية لشخص واحد فقط تبسيط مخلّ بالمنطق الدستوري دليل واضح على افتعال أزمة الضرائب. إنهم أصحاب الغل وحدهم وركاب سفينة الفشل والغل ينقمون من الرجل إيمانه بالدولة.

ثانيًا: البعد الأخلاقي – العدالة والإنصاف

الضريبة ليست مجرد اقتطاع مالي؛ إنها تعبير عن التضامن الاجتماعي.

فمن الضرائب تُموَّل الصحة والتعليم والأجور والبنية التحتية. الدولة بلا ضرائب ليست دولة حديثة، بل كيان ريعي هش.

لكن الأخلاق الضريبية تقوم على ثلاثة شروط:

العدالة: أن يُوزَّع العبء وفق القدرة على الدفع.

الشفافية: أن يُعرف أين تُصرف الأموال.

المساواة أمام القانون: ألا يفلت المتهرب بينما يُثقل كاهل الملتزم.

إذا كانت الآليات الجديدة تهدف إلى سدّ منافذ التهرب وهي كذلك ، لا إلى خلق عبء إضافي وهي بعيدة من ذلك، فالأخلاقي هنا هو دعمها، لا مهاجمتها كما يقوم بذلك ثلة من المتهربين الخائفين الخائنين..

*ثالثًا: البعد السياسي منطق الشخصنة*

السياسة بطبيعتها تميل إلى اختزال المؤسسات في أشخاص.

و الوزير الأول يصبح رمزًا للسياسة الاقتصادية برمتها، حتى لو كانت الإجراءات من إعداد وزارة المالية أو الإدارة العامة للضرائب.

لماذا؟

لأن الجمهور يحاسب الواجهة لا الجهاز.

لأن الصراع السياسي يحتاج إلى عنوان واضح.

لأن الشخص أسهل نقدًا من البنية.

لكن حين يتحول النقد من تقييم السياسات إلى استهداف الأشخاص، نكون أمام شخصنة للقرار الجماعي.

وهنا تضيع المسؤولية الحقيقية في ضجيج الخطاب ويتحول إلى درجة الإسفاف كما هو حال الضجة المفتعلة حول الضرائب..

رابعًا: هل الضجة “مفتعلة”؟

قد تكون الضجة ناتجة عن:

سوء تواصل رسمي.

توظيف سياسي من أطراف معارضة.

تخوف مشروع من التوسع الرقابي.

أو خلط متعمد بين “تحصيل ضريبة موجودة” و“فرض ضريبة جديدة”.

في كل الحالات، المشكلة ليست في وجود الضريبة بحد ذاته، بل في الثقة:

الثقة في عدالة النظام، وفي حسن استعمال المال العام، وفي حياد التطبيق.

لمن نُحمّل المسؤولية إذن؟

قانونيًا: المسؤولية مشتركة بين الحكومة والبرلمان.

*سياسيًا: الوزير الأول يتحمل المسؤولية الرمزية باعتباره قائد الفريق الحكومي.*

*أخلاقيًا: المجتمع كله شريك؛* فالتسامح مع التهرب يضعف العقد الاجتماعي.

المعادلة السليمة ليست البحث عن “شخص يُدان”، بل بناء ثقافة مساءلة مؤسساتية:

نحاسب البرلمان عبر الانتخابات.

نحاسب الحكومة عبر الرقابة البرلمانية والرأي العام.

نحاسب الإدارة عبر القضاء.

إذن الضريبة ليست عيبًا، والتهرب ليس حقًا، والمساءلة ليست انتقامًا.

إذا كانت المسؤولية جماعية، فالمحاسبة يجب أن تكون مؤسساتية لا شخصية، عقلانية لا انفعالية.

الضجة قد تُربح معركة خطابية، لكنها لا تبني نظامًا جبائيًا عادلًا.

والدولة التي تريد أن تستقيم، لا يكفي أن تجبي، بل يجب أن تشرح، وتُقنع، وتُظهر أثر ما تجبيه في حياة الناس كما فعل الوزير الأول.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:

ليس في فرض الضريبة، بل في ترسيخ الثقة التي تجعل دفعها فعل اقتناع لا فعل اضطرار.

زر الذهاب إلى الأعلى