*ألم يَأنِ لمثيري ضجّة الضرائب على الهواتف أن يتوقّفوا؟*   *قراءة سياسية – اقتصادية في جدلٍ يتجاوز الأرقام إلى الوعي العام/ محمد عبد الله بين (الحلقة الرابعة)

في كل مرة تُعلن فيها الحكومة إجراءً ضريبيًا جديدًا، يتجدد الجدل، وتتعالى الأصوات، وتشتعل المنصات. غير أن الضجة التي أُثيرت مؤخرًا حول الضرائب على خدمات الهواتف بدت في كثير من تجلياتها أقرب إلى توظيف سياسي منها إلى نقاش اقتصادي رصين. فهل نحن أمام دفاع حقيقي عن القدرة الشرائية للمواطن، أم أمام صناعة رأي عام مؤدلج؟

*أولاً: الضريبة بين الضرورة والسياسة*

في كل دول العالم تقريبًا، تُفرض ضرائب على خدمات الاتصالات باعتبارها قطاعًا مربحًا وواسع الانتشار. بل إن هذه الضرائب تُعدّ من الموارد المستقرة نسبيًا نظرًا لاتساع قاعدة المستهلكين.

وليس الأمر بدعًا؛ فالدول تموّل موازناتها من الضرائب المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك ضرائب الاستهلاك والخدمات الرقمية.

الضريبة، من حيث المبدأ، ليست عقوبة، بل أداة لإعادة توزيع الموارد وتمويل الخدمات العمومية:

رواتب الأطباء والمدرسين

تمويل البنية التحتية

دعم الأمن والدفاع

الاستثمار في الصحة والتعليم

وهي وظائف لا تقوم دولة حديثة بدونها.

*ثانيًا: البعد الاقتصادي* – هل الضريبة عبء أم إعادة توزيع؟

صحيح أن أي ضريبة استهلاكية تمسّ المواطن مباشرة، خصوصًا في سياقات اقتصادية حساسة. لكن التقييم الرصين يقتضي طرح أسئلة موضوعية:

ما نسبة الضريبة مقارنة بحجم الإنفاق الفردي على الاتصالات؟

هل هناك إعفاءات للفئات الهشة؟

ما أثرها الفعلي على الأسعار النهائية؟

كيف ستُستخدم عائداتها؟

إذا كانت الضريبة محدودة النسبة، ومُدرجة ضمن سياسة مالية متكاملة، فإنها تدخل ضمن أدوات ضبط العجز وتحقيق التوازن المالي، لا ضمن سياسات الجباية الاعتباطية كما يصورها المرجفون في الارض.

*ثالثًا: بين الشعبوية والمصلحة العامة*

المفارقة أن بعض الأصوات التي تهاجم الضرائب على الاتصالات، تتجاهل الحديث عن ضرورة تمويل الخدمات العمومية، وكأن الدولة كيان بلا نفقات.

الخطاب الشعبوي غالبًا ما يُصوّر كل ضريبة كأنها ظلم محض، متناسيًا أن البديل هو:

زيادة المديونية

تقليص الخدمات

أو تأجيل الإصلاحات الهيكلية

والسياسة الرشيدة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالحسابات الكلية والخيارات الواقعية. ولعل خلفية المرجفين هي التهرب الضريبي والستهداف الشخصي لمعلي الوزير الأول، متجاهلين أنهم لن ينالوا منه.

*رابعًا: الإطار القانوني والاقتصادي*

في الاقتصادات النامية، تُعدّ الضرائب غير المباشرة (مثل الضرائب على الخدمات) من المصادر الأساسية للإيرادات، نظرًا لضيق القاعدة الضريبية المباشرة وضعف الامتثال في بعض القطاعات غير المهيكلة.

ومن ثمّ، فإن إصلاح النظام الضريبي ينبغي أن يكون شاملًا، لا انتقائيًا، بحيث يشمل:

توسيع القاعدة الضريبية

محاربة التهرب

تحسين العدالة الجبائية

تعزيز الشفافية في توجيه الإنفاق، وهو ما يرنو إليه برنامج الوزير الاول المختار ولد اجاي ويطبقه من خلال برنامج حكومته.

أما التركيز على ضريبة بعينها بمعزل عن المنظومة ككل، فهو تبسيط مُخلّ بالتحليل الاقتصادي.

*خامسًا: الحاجة إلى خطاب مسؤول*

الاختلاف حول السياسات المالية مشروع، بل ضروري في الأنظمة الحديثة. لكن تحويل كل إجراء مالي إلى معركة تعبئة شعبية يُفقد النقاش جديته، ويضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، ويحوله إلى استهداف عقيم لن يغني من جوع.

الوعي الاقتصادي العام يقتضي التفريق بين:

الاعتراض المؤسس على بيانات وأرقام

والاحتجاج المبني على إثارة العاطفة دون بدائل عملية

فالسياسة الضريبية ليست شأنًا تقنيًا فحسب، بل عقدٌ اجتماعيٌّ يربط بين الحق في الخدمة والواجب في المساهمة.

إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا فُرضت ضريبة على الهواتف؟

بل: كيف نُبني نظامًا ضريبيًا عادلًا وشفافًا يحقق التوازن بين حماية القدرة الشرائية وتمويل الخدمات العامة؟

أما الضجيج غير المؤسس، فلن يُسهم إلا في تعكير النقاش العام، في وقتٍ تحتاج فيه الدولة إلى حوار اقتصادي ناضج، قائم على الأرقام، والبدائل، والمسؤولية المشتركة.

فالضرائب ليست شعارًا سياسيًا، بل ركيزة دولة. والاختلاف حولها ينبغي أن يكون اختلافًا في الرؤية، لا في منطق الدولة ذاته.

زر الذهاب إلى الأعلى