محمد عبد الله ولد بين* يكتب*في الحلقة الثالثة :/إلى القائمين على ضجّة الضرائب المفتعلة:*توبوا إلى الله قبل حلول شهر رمضان المعظم*

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، شهر المراجعة والمحاسبة والتوبة، يطفو إلى السطح خطابٌ صاخب حول “الضرائب”، تختلط فيه الشعارات بالعواطف، وتتداخل فيه المطالب المشروعة مع المزايدات السياسية والتهرّب المقنّع. وبين الحق والباطل تضيع الحقيقة: أن الضريبة ليست جبايةً عشوائية، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة، وشرطٌ لاستمرار الخدمات العامة التي لا يستغني عنها أحد.

*أولاً: في البعد السياسي* – *الدولة بين الشرعية والتمويل*

لا تقوم دولة بلا موارد. والضرائب هي التعبير العملي عن عقدٍ اجتماعيٍّ ضمنيّ بين المواطن والدولة: يدفع المواطن نصيبه العادل، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والخدمات والعدالة. إن الطعن في مبدأ الضريبة ذاته، أو التحريض على التهرب منها، ليس معارضةً إصلاحية، بل مساسٌ بأساس الشرعية المؤسسية.

في التجارب الحديثة، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، تُعدّ الضريبة عنوان المواطنة. ففي الولايات المتحدة مثلاً، يُعتبر التصريح الضريبي التزاماً قانونياً صارماً، ويُجرَّم التهرب الضريبي بوصفه جريمة تمسّ النظام العام. وفي فرنسا وألمانيا، تُدار النقاشات حول نسب الضرائب وعدالتها، لا حول أصل مشروعيتها.

إن من حقّ المواطن أن يطالب بالشفافية، وبترشيد الإنفاق، وبمحاربة الفساد، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل النقاش إلى دعوة صريحة أو ضمنية إلى التهرب أو العصيان المالي، لأن ذلك يهدم البيت على ساكنيه.

*ثانياً: في البعد الاقتصادي – من يمول الدولة؟*

ليتذكر الجميع أن راتب الطبيب، والجندي، والمعلم، ورواتب القضاة، وأجهزة الطب، والأدوية في المستشفيات، وحماية الوطن وأمنه، كلها تُموَّل من ريع الضرائب.

فحين يمتنع البعض عن أداء واجبه الضريبي، فإنه عملياً:

يحمّل العبء على الفئات الملتزمة.

يضعف قدرة الدولة على الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية.

يوسع فجوة العجز المالي، ويدفع إلى الاستدانة أو التضخم.

الاقتصاد لا يعيش بالشعارات، بل بالأرقام. وكل عجز في التحصيل الضريبي يعني بالضرورة تقليصاً في الخدمات أو زيادة في الدين العام. وعندما يطالب البعض بخدماتٍ أفضل دون استعدادٍ لتحمّل كلفتها، فهم يطلبون المستحيل اقتصادياً.

*ثالثاً: في البعد الشرعي والأخلاقي*

– التهرب حرام

من منظور شرعي، كل التزام قانوني يقرّه وليّ الأمر لمصلحة عامة راجحة، ولا يخالف نصاً شرعياً، يصبح الوفاء به واجباً. والتهرب الضريبي، متى تقرّر نظاماً عادلاً، يدخل في باب أكل المال العام بغير حق.

كما أن الأخلاق العامة تقتضي العدالة في تحمل الأعباء. فليس من المروءة أن يتمتع الإنسان بخدمات الدولة، ثم يتحايل للفرار من المساهمة في تمويلها.

وقبل حلول شهر رمضان، شهر الصيام والصدق والتقوى، أولى بالإنسان أن يراجع ذمته المالية، وأن يسوي التزاماته، وأن يتوب إلى الله من كل تحايل أو تلاعب أو تضليل.

*رابعاً: بين الإصلاح والمزايدة*

إن الإصلاح الضريبي الحقيقي لا يكون بالصخب، بل بـ:

توسيع الوعاء الضريبي بعدالة.

محاربة الفساد في التحصيل والإنفاق.

تعزيز الشفافية في صرف المال العام.

حماية الفئات الضعيفة من الأعباء غير العادلة.

أما الضجة المفتعلة التي توحي بأن أصل الضريبة ظلم، فهي خطاب شعبوي قصير النظر، يربح التصفيق ويخسر المستقبل.

 

الضرائب ليست خصماً من الوطن، بل استثمارٌ فيه. وليست عقوبة، بل مساهمة في استقرار الدولة واستمرارها. ومن يحرّض على التهرب، إنما يضعف المستشفى الذي يعالج أبناءه، والمدرسة التي تدرّسهم، والجيش الذي يحميهم.

توبوا إلى الله قبل حلول شهر رمضان المعظم، وأدّوا ما عليكم، وطالبوا بحقوقكم بوعيٍ ومسؤولية. فالأوطان لا تُبنى بالضجيج، بل بالعدل، والالتزام، والصدق.

زر الذهاب إلى الأعلى