*خطاب رئيس الجمهورية في مقاطعة لكصيبة: بين تشخيص الواقع وبناء أفق الثقة/ محمد عبد الله بين

جاء خطاب رئيس الجمهورية في مقاطعة لكصيبة في لحظة اجتماعية دقيقة، تتسم بتزايد المطالب المعيشية، وتنامي النقاش حول العدالة الاجتماعية، وتحولات اقتصادية تفرض خيارات إصلاحية غير سهلة. لذلك لم يكن الخطاب مجرد محطة بروتوكولية، بل حمل أبعادًا سياسية واجتماعية عميقة تتجاوز إطار الزيارة الميدانية.
*أولًا: الاعتراف بالمشكلات… خطوة في اتجاه المصارحة*
من أبرز ما ميّز الخطاب هو مقاربة رئيس الجمهورية لقضايا المواطنين بلغة مباشرة، بعيدًا عن الخطاب الإنشائي التقليدي. فقد لامس قضايا:
ضعف الخدمات الأساسية
تحديات البطالة
هشاشة بعض البنى التحتية
معاناة الفئات الهشة
هذا الاعتراف العلني بالمشكلات يمثل في ذاته تحولًا مهمًا في ثقافة الخطاب السياسي؛ إذ إن إنكار الأزمة لم يعد مقنعًا في ظل وعي مجتمعي متزايد.
*ثانيًا: البعد الاجتماعي للخطاب*
لم يكن التركيز اقتصاديًا محضًا، بل حمل الخطاب بُعدًا اجتماعيًا واضحًا، تمثل في:
التأكيد على العدالة في توزيع الموارد
دعم الفئات الأقل دخلاً
ربط الإصلاح الاقتصادي بالبعد الإنساني
وهنا تتجلى محاولة بناء معادلة دقيقة: إصلاح مالي دون الإضرار بالتماسك الاجتماعي. فالتحدي الأكبر لأي دولة نامية هو تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات المواطن اليومية.
*ثالثًا: الدولة الحاضرة ميدانيًا*
زيارة رئيس الجمهورية إلى مقاطعة لكصيبة تحمل دلالة سياسية تتجاوز الجغرافيا. فالنزول إلى الداخل، والحديث المباشر مع المواطنين، يعكس توجهًا نحو:
كسر مركزية القرار
تعزيز الدولة القريبة من الناس
نقل النقاش من العاصمة إلى الهامش
وهذا البعد مهم في سياق تتصاعد فيه المطالب بتقليص الفوارق بين المركز والأطراف.
*رابعًا: الإصلاح كخيار لا مفر منه*
الخطاب أشار – بشكل مباشر أو ضمني – إلى أن الإصلاحات الاقتصادية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. فالدولة التي لا تعزز مواردها الذاتية ولا تحسن كفاءة إنفاقها، تبقى رهينة:
المديونية
التقلبات الخارجية
الضغوط الاقتصادية الدولية
غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطًا بعنصرين أساسيين:
العدالة في التطبيق
الشفافية في التسيير
فالمواطن قد يقبل بالإصلاح المؤلم إذا شعر أنه عادل، لكنه يرفضه إذا أحس بالتمييز أو غياب المحاسبة.
*خامسًا: الرهان على الثقة*
الرسالة المركزية في الخطاب يمكن تلخيصها في محاولة إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. والثقة هنا ليست خطابًا عاطفيًا، بل هي نتاج:
تنفيذ الوعود
محاربة الفساد
تحسين ملموس في الخدمات
فالمواطن اليوم لا يكتفي بالشعارات، بل ينتظر نتائج قابلة للقياس في حياته اليومية.
*سادسًا: السياق السياسي الأوسع*
لا يمكن فصل الخطاب عن سياقه الوطني العام، حيث يتصاعد الجدل حول قضايا الضرائب، الأسعار، والقدرة الشرائية. من هنا، فإن أي خطاب رسمي يلامس هموم المواطنين يُقرأ بوصفه:
رسالة طمأنة
توضيحًا للخيارات الحكومية
محاولة لاحتواء الاحتقان الاجتماعي
والنجاح في ذلك يتوقف على الانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
يمكن القول إن خطاب رئيس الجمهورية في لكصيبة حمل ثلاث رسائل أساسية:
الدولة واعية بحجم التحديات.
الإصلاح الاقتصادي ضرورة وطنية لا خيار سياسي.
البعد الاجتماعي سيظل حاضرًا في صياغة السياسات العامة.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في قوة الخطاب، بل في قدرته على التحول إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
ففي نهاية المطاف، السياسة ليست ما يُقال، بل ما يتحقق.