*حتى لا تضيع البوصلة فعلاً..* *قراءة في مقال: “الدولة ليست شركة خاصة”/محمد عبد الله ولد بين

يستحق مقال الوزير السابق سيد أحمد ولد بوه التوقف عنده عدة مرات، ليس فقط لما يحمله صاحبه من تجربة في إدارة الشأن الاقتصادي، وإنما أيضاً لأنه يثير الكثير من الأسئلة الجوهرية حول دور الدولة في مواجهة الأزمات وحدود التوازن بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي.
غير أن قوة الأسئلة لا تعني بالضرورة سلامة الأجوبة، كما أن حسن النية في الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين لا يكفي وحده لإثبات صحة الخيارات المقترحة. فقد كتبت حتى الآن مقالين في الموضوع، غير أني كلما قراته احلولى أمامي تفكيك بعض عناصره والوقوف عليها وتأمل ما بين سطورها.
*أولاً: إشكالية العنوان*
اختار الكاتب عنواناً لافتاً: “الدولة ليست شركة خاصة”.
وهو عنوان يحمل في طياته رسالة سياسية أكثر مما يحمل توصيفاً اقتصادياً.
فلا أحد قال إن الدولة شركة خاصة، ولا أحد يديرها بمنطق الربح والخسارة المجرد.
لكن في المقابل، لا توجد دولة حديثة تستطيع الاستمرار إذا أدارت ماليتها العامة دون اعتبار للتوازنات المالية والاستدامة الاقتصادية.
فالدولة ليست شركة خاصة، نعم.
لكنها أيضاً ليست جمعية خيرية تمتلك موارد غير محدودة.
وليست أسرة يمكنها الإنفاق إلى ما لا نهاية دون حساب.
إنها كيان سياسي واقتصادي مطالب في الوقت نفسه بحماية المواطنين اليوم وحماية مستقبلهم غداً.
ولهذا فإن المقابلة التي أقامها الكاتب بين “الدولة الاجتماعية” و”الانضباط المالي” تبدو مقابلة غير دقيقة؛ لأن التجارب الناجحة في العالم أثبتت أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا بمالية عمومية سليمة ومستدامة.
*ثانياً: هل التضخم سببه دائماً أسعار المحروقات؟*
يبني المقال فرضيته الأساسية على أن زيادة أسعار المحروقات ستؤدي حتماً إلى موجة تضخمية واسعة.
وهذه حقيقة جزئية وليست حقيقة مطلقة.
فالاقتصاد الحديث يميز بين:
التضخم الناجم عن الطلب.
والتضخم الناجم عن التكاليف.
والتضخم المستورد.
والتضخم النقدي.
وليس كل ارتفاع في أسعار المحروقات يقود بالضرورة إلى انفلات تضخمي واسع.
فالأمر يعتمد على:
حجم الزيادة.
وزن الطاقة داخل الاقتصاد.
سياسات التعويض المصاحبة.
السياسة النقدية للبنك المركزي.
قدرة السوق على امتصاص الصدمة.
ولهذا فإن اختزال النقاش في معادلة بسيطة تقول: “رفع الأسعار = تضخم مدمر” لا يعكس التعقيد الحقيقي للظاهرة الاقتصادية.
*ثالثاً: الدعم الشامل أم الدعم الموجه؟*
يقترح الكاتب عملياً استخدام الموارد العمومية لتخفيف أثر ارتفاع أسعار المحروقات على الجميع.
لكن التجارب الاقتصادية الحديثة أثبتت أن الدعم الشامل غالباً ما يستفيد منه الأغنياء أكثر مما يستفيد منه الفقراء.
فمن يستهلك الوقود أكثر؟
صاحب السيارة الفاخرة أم العامل محدود الدخل؟
ومن يستفيد أكثر من تثبيت الأسعار؟
الشركات الكبرى أم الأسر الهشة؟
لهذا انتقلت دول كثيرة من منطق دعم الأسعار إلى منطق دعم الفئات المستحقة مباشرة.
فالهدف ليس جعل الوقود رخيصاً للجميع، بل حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة.
وهذا ما يجعل النقاش الحقيقي ليس: هل ندعم أم لا ندعم؟
بل: كيف ندعم؟ ومن ندعم؟
*رابعاً: مراجعة الميزانية* ليست عملية محاسبية بسيطة
يقترح المقال مراجعة بعض بنود التسيير والتخلي عن بعض الرسوم والضرائب النفطية.
وهذا يبدو جذاباً من الناحية الخطابية.
لكن أي خبير مالي يعلم أن الأمر أكثر تعقيداً.
فالرسوم والضرائب النفطية ليست أرقاماً معزولة، بل تدخل في تمويل:
التعليم.
الصحة.
البنى التحتية.
شبكات الحماية الاجتماعية.
دعم السلع والخدمات الأساسية.
وعندما نتحدث عن إلغاء مورد مالي، ينبغي أن نحدد بوضوح:
من أين سنعوضه؟
وما حجم الكلفة؟
وما أثر ذلك على العجز والمديونية؟
أما الاكتفاء بالمطالبة بالتخلي عن الضرائب دون تقديم بديل مالي واضح، فيبقى أقرب إلى الموقف السياسي منه إلى الوصفة الاقتصادية المتكاملة.
*خامساً: الدولة رب أسرة.. نعم،* *ولكن كيف؟*
يشبه الكاتب الدولة برب الأسرة الذي يتحمل الأعباء في أوقات الأزمات.
وهو تشبيه جميل من الناحية البلاغية.
لكن رب الأسرة الحكيم لا يستهلك كل مدخراته في مواجهة أزمة مؤقتة إذا كان ذلك سيعرض أسرته لأزمة أكبر في المستقبل.
كما أن الدولة مسؤولة عن الأجيال القادمة بقدر مسؤوليتها عن الجيل الحالي.
ولهذا فإن حسن إدارة الأزمات لا يقاس فقط بحجم الإنفاق الآني، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصاد على الاستمرار والنمو والاستثمار وخلق الوظائف.
*سادساً: أين السيادة المالية الحقيقية؟*
السيادة المالية- وقد تحدثت عنها بإسهاب في مقالي السابق – لا تعني فقط حماية الأسعار مؤقتاً.
بل تعني كذلك:
تخفيض الاعتماد على الخارج.
تعزيز الإيرادات الوطنية.
حماية التوازنات الكبرى.
المحافظة على استقرار العملة.
بناء احتياطات مالية قادرة على مواجهة الصدمات.
فالسيادة ليست قراراً شعبوياً آنياً، وإنما قدرة مستدامة على اتخاذ القرار الاقتصادي دون الارتهان للأزمات أو الديون.
يبقى من حق الوزير السابق أن يختلف مع الحكومة في تشخيص الأزمة وفي أدوات معالجتها، كما يبقى من حق الحكومة أن تدافع عن خياراتها.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن النقاش لا يدور بين من يريد حماية المواطنين ومن لا يريد ذلك، ولا بين من يؤمن بالدولة الاجتماعية ومن يؤمن بالدولة التجارية.
بل يدور بين مدرستين اقتصاديتين مختلفتين:
مدرسة تعطي الأولوية لتخفيف الأثر المباشر للأزمة ولو على حساب بعض التوازنات المالية، ومدرسة ترى أن حماية المواطن على المدى الطويل تقتضي الحفاظ على تلك التوازنات حتى في أوقات الصعوبات.
ومن هنا فإن البوصلة لا تضيع عندما نختلف حول الوسائل، وإنما تضيع عندما نحول الخلاف الاقتصادي المشروع إلى اتهام ضمني للآخر بأنه لا يدرك وظيفة الدولة أو لا يشعر بمعاناة المواطنين. :::