*قراءةموضوعيةفي المضامين الوطنيةلبيان الانسحاب من حزب جبهة المواطنة والعدالة:جمع*

يتضمن هذا البيان، في جانبه المتعلق بالقضايا الوطنية، نقاطًا تستحق التوقف عندها، بغض النظر عن الموقف من الحزب أو من المنسحبين. فأبرز ما فيه هو انتقال النقد من الخلافات التنظيمية إلى التنبيه على قضايا تمس طبيعة المشروع الوطني نفسه.

ولعل ما يلفت الانتباه أن هذه المآخذ لم تُوجَّه إلى أفراد داخل الحزب بقدر ما انصبت، في جوهرها، على الخيارات السياسية والتنظيمية التي انتهجتها القيادة. ولا يمكن قراءة هذه الملاحظات بمعزل عن الدور القيادي لرئيس الحزب، الأستاذ محمد جميل منصور، بوصفه المؤسس والمرجعية السياسية الأولى للمشروع. فإذا كانت الوقائع التي أوردها البيان تعبر عن حقيقة ما آل إليه الحزب، فإنها تعكس – في نظر أصحاب البيان – تحولًا في توجهاته ومساره، وهو تحول تتحمل القيادة السياسية مسؤوليته الأولى.

ويبدو أن أكثر ما أثار استياء المنسحبين هو ما اعتبروه انتقالًا من خطاب وطني جامع إلى خطاب يغلب الاعتبارات الشرائحية والفئوية، إلى جانب التراجع عن المؤسسية وإضعاف دور الهيئات الحزبية لصالح القرار الفردي. وهذه ليست ملاحظات تنظيمية عابرة، بل هي قضايا تمس فلسفة المشروع السياسي ذاته، وتستوجب من رئيس الحزب وقيادته توضيحًا للرأي العام وللقواعد الحزبية.

ويبرز في هذا السياق رفض البيان لتغليب الخطاب الشرائحي والفئوي على الخطاب الوطني الجامع، والتأكيد على أن المواطنة ينبغي أن تكون أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماءات الضيقة. وهذه قضية محورية في بلد متعدد المكونات مثل موريتانيا، لأن أي مشروع سياسي يجعل الانتماءات الضيقة معيارًا في العمل السياسي يهدد بإضعاف الثقة الوطنية وتعميق الانقسامات.

كما يدعو البيان إلى العدالة الشاملة، من خلال رفض الانتقائية في تناول المظالم الوطنية، والتأكيد على أن الإنصاف ينبغي أن يشمل جميع المتضررين دون تمييز أو توظيف سياسي، وهو مبدأ ينسجم مع أسس دولة القانون والمواطنة المتساوية.

ومن ثم، فإن البيان يقدم تذكيرًا بأن معالجة المظالم التاريخية والاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى تكريس للهويات الفرعية، بل يجب أن تتم في إطار مشروع وطني جامع، يحفظ وحدة البلاد ويحقق العدالة لجميع المواطنين دون استثناء. وهذه الرسالة هي أبرز ما يميز البيان، لأنها تضع الوحدة الوطنية والمواطنة المتساوية في صدارة النقاش السياسي، بعيدًا عن الحسابات الفئوية والشرائحية.

*سيدي محمد ولداخليفه*

زر الذهاب إلى الأعلى