محمد عبد الله ولد بين يكتب :* *حين يتكلم الرئيس بلغة الأرقام… وتسكت المزايدات

في السياسة، قد تجذب الخطب الحماسية الأسماع، لكن الذي يصنع الثقة حقًا هو ذلك القائد الذي يتحدث بلغة المعرفة، ويُحسن الإمساك بتفاصيل الملفات، ويقدم للرأي العام الوقائع بدل الانطباعات، والأرقام بدل الشعارات. وهذا ما جسده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مؤتمره الصحفي الأخير، الذي لم يكن مجرد لقاء مع الصحافة، بل كان درسًا في فن القيادة، وإدارة الشأن العام، واحترام حق المواطن في المعرفة.
لقد بدا الرئيس، وهو ينتقل بين ملفات الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والطاقة، والبنى التحتية، ومكافحة الفساد، وكأنه يقرأ من ذاكرة وطن بأكمله. لم تكن الأرقام بالنسبة إليه زينة للخطاب، وإنما كانت لغة طبيعية لرجل يتابع، ويراقب، ويقيس، ويقيّم، ويعرف أين بدأت المشاريع، وأين وصلت، وما الذي تحقق منها، وما الذي لا يزال ينتظر الاستكمال.
وهنا تكمن قيمة هذا الظهور؛ فالقائد الذي يحفظ مؤشرات الأداء، ويستحضر نسب الإنجاز، ويستوعب تفاصيل البرامج، لا يقدم للرأي العام صورة مسؤول مطلع فحسب، بل يبعث برسالة قوية إلى الإدارة العمومية مفادها أن المتابعة الدقيقة، والمساءلة المستمرة، والانضباط في التنفيذ، أصبحت ثقافة في قمة هرم الدولة، وليست مجرد تعليمات موسمية.
ولعل أكثر ما ميز هذا المؤتمر هو روح المكاشفة التي طبعت أجوبة رئيس الجمهورية. فلم يلجأ إلى التعميم، ولم يختبئ خلف العبارات الفضفاضة، بل واجه أسئلة الصحافة بثقة، وأجاب عنها بصراحة، واضعًا المواطن أمام صورة واضحة لما تحقق، وما تعثر، وما يُنتظر إنجازه. وتلك هي الشفافية التي تُبنى بها الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويُحصَّن بها الرأي العام ضد الإشاعة والتأويل.
وفي سياق تقييم أداء السلطة التنفيذية، جاء تصريح رئيس الجمهورية برضاه عن حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي ليضع حدًا لكل التأويلات التي حاولت تصوير العلاقة بين رئاسة الجمهورية والحكومة على غير حقيقتها. لقد كان تصريحًا واضحًا لا يحتمل التأويل، يحمل في طياته تثمينًا لما أنجزته الحكومة، وتجديدًا للثقة فيها، وإقرارًا بأن برنامجها يسير في الاتجاه الذي رسمته التعهدات الوطنية، وأن وتيرة الإصلاح والتنمية تحظى بالدعم الكامل من رئيس الجمهورية.
أما ملف مكافحة الفساد، فقد احتل مكانة بارزة في المؤتمر، بوصفه أحد أعمدة مشروع الإصلاح الوطني. ولم يكتف الرئيس بتأكيد استمرار الحرب على الفساد، بل استند إلى مؤشرات ملموسة تدل على تطور منظومة الحكامة، وتعزيز الرقابة، وترسيخ مبادئ الشفافية، بما يعكس انتقال الدولة من مرحلة الشعارات إلى مرحلة بناء المؤسسات القادرة على حماية المال العام وترسيخ ثقافة المساءلة.
وفي حديثه عن المشاريع التنموية، لم يكن الرئيس يستعرض إنجازات للاستهلاك الإعلامي، وإنما كان يرسم لوحة متكاملة لمسار التنمية في البلاد، متتبعًا مراحل التنفيذ، ومستويات الإنجاز، وحجم الإنتاج، والعقبات التي تمت معالجتها، بما يؤكد أن التنمية ليست قرارًا سياسيًا يصدر من المكاتب، بل عملية يومية تحتاج إلى المتابعة والتقييم والتصحيح المستمر.
وجاء حديثه عن الغاز ليعكس رؤية رجل دولة يدرك الفرق بين الثروة والنهضة. فالغاز، في نظره، ليس معجزة اقتصادية ستحل جميع المشكلات تلقائيًا، وإنما فرصة استراتيجية كبرى، لا تؤتي ثمارها إلا إذا أُحسن تدبيرها، وأُديرت بعقلانية، واستثمرت عائداتها في بناء الإنسان، وتطوير الخبرات الوطنية، وتنويع الاقتصاد، حتى تتحول هذه الثروة إلى ركيزة لتنمية مستدامة يستفيد منها الحاضر وتحفظ حقوق الأجيال القادمة.
ولم يكن ختام المؤتمر أقل قوة من بدايته؛ فقد حمل رسالة وطنية جامعة، ملؤها الثقة والواقعية والمسؤولية. فقد أكد فخامة رئيس الجمهورية أن موريتانيا، رغم الاضطرابات الدولية، والتحديات الاقتصادية التي يعيشها العالم، تقف اليوم على أرض أكثر صلابة، وتمتلك آفاقًا واعدة، وأن الدولة ستواصل تنفيذ برامجها التنموية، وتحسين أوضاع الفئات الأقل دخلاً والأكثر هشاشة، وتمكين الشباب، وترسيخ سياسة الانفتاح على جميع المواطنين دون إقصاء أو تمييز.
ثم ارتقى بالخطاب من لغة الإنجاز إلى لغة القيم، حين أكد أن مستقبل موريتانيا لن تصنعه الثروات وحدها، ولا المشاريع وحدها، وإنما تصنعه قبل ذلك صدق النيات، وتماسك الصف الوطني، والإيمان بأن الاختلاف في الرأي مصدر قوة وإثراء، لا وسيلة للتنازع والانقسام، ما دام الجميع يلتقي على محبة هذا الوطن، والإخلاص لمستقبله.
لقد كان هذا المؤتمر الصحفي شهادة جديدة على أن الدولة حين تُدار بعقل يحيط بالتفاصيل، وبصيرة تستشرف المستقبل، وإرادة سياسية تجعل من المواطن شريكًا في المعرفة، فإنها تكتسب قوة لا توفرها الدعاية، بل يصنعها الإنجاز، وتثبتها الأرقام، وتحرسها الثقة.
ولذلك لم يكن المنتصر الأكبر في هذا المؤتمر شخص الرئيس وحده، بل كانت فكرة الدولة نفسها؛ دولةٌ تعرف إلى أين تمضي، وتدرك حجم التحديات، ولا تخشى مصارحة شعبها بالحقائق، لأنها تستند إلى عمل متواصل، ورؤية واضحة، وإيمان راسخ بأن بناء الأوطان لا يكون بالضجيج، وإنما بالإنجاز، ولا بالمزايدات، وإنما بالمسؤولية.