تعليقا على الرئيس جميل منصور*ثورة يوليو… بين الإنصاف التاريخي والانتقائية السياسية/ محمد عبد الله بين .

نواكشوط في 24يوليو 2026..
*ثورة يوليو… بين الإنصاف التاريخي والانتقائية السياسية*
كتب الأستاذ جميل منصور عن ثورة الثالث والعشرين من يوليو حديثًا حاول أن يتوسط بين الإشادة والنقد، غير أن هذا “الوسط” انتهى إلى انتقائية في قراءة التاريخ، وإلى تحميل التجربة ما لا تحتمل، وإعفائها مما لا يجوز إغفاله.
فلا أحد ينكر أن ثورة يوليو كانت حدثًا مفصليًا في التاريخ العربي الحديث، وأنها أسقطت نظامًا ملكيًا كان مرتهنًا للإرادة الأجنبية، وأعادت لمصر قرارها الوطني، ووقفت في وجه الاستعمار البريطاني والعدوان الثلاثي، وأسهمت في إشعال حركات التحرر في آسيا وإفريقيا، حتى غدا جمال عبد الناصر رمزًا عالميًا لمقاومة الهيمنة والاستعمار.
لكن الحديث عن الثورة لا يستقيم إذا جُزِّئت إنجازاتها أو فُصلت عن سياقها التاريخي. فقد جاءت في عالم تحكمه الحرب الباردة، وكانت المنطقة العربية تعيش تحت وطأة الاستعمار المباشر أو النفوذ الأجنبي، وكانت العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني هما عنوان المرحلة. ولذلك لا يجوز أن تُحاكم خيارات تلك الحقبة بمعايير عالم مختلف تشكل بعد عقود من التحولات الدولية والسياسية.
أما الدعوة إلى أن يمارس أنصار الثورة نقدًا ذاتيًا في قضايا العلمانية والاستبداد والضيق الاقتصادي، فهي دعوة تبدو في ظاهرها موضوعية، لكنها تغفل سؤالًا أكثر أهمية: هل كانت تلك الإشكالات وليدة ثورة يوليو وحدها، أم أنها كانت سمات عامة لمعظم دول العالم الثالث التي خرجت لتوها من الاستعمار، وواجهت تحديات بناء الدولة، والمؤامرات الخارجية، والانقلابات، والحروب، والاستنزاف الاقتصادي؟
إن تحميل يوليو وحدها وزر تلك الإكراهات فيه قدر من التجني التاريخي. فالاستبداد لم يكن حكرًا على الأنظمة القومية، كما أن الإخفاق الاقتصادي لم يكن سمة لازمة لكل سياساتها، وإلا فكيف نفسر بناء السد العالي، وتأميم قناة السويس، والتوسع الصناعي، والإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، وتوسيع الطبقة الوسطى، وهي منجزات لا تزال آثارها شاهدة إلى اليوم؟
ثم إن استعمال مصطلح “العلمانية” في نقد يوليو يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فالثورة لم تخض حربًا على الاسلام، ولم تؤسس دولة معادية للإسلام، وإنما أبقت الأزهر مؤسسة وطنية كبرى، ووسعت حضوره، وربطت مشروعها السياسي بالهوية العربية والإسلامية في كثير من محطاته، خصوصًا في مواجهة المشروع الصهيوني والاستعمار الغربي. ولذلك فإن إلصاق النموذج العلماني الغربي الصارم بها لا يخلو من تعسف في التوصيف وانحياز ضد توجهات الثورة.
اللهم إن كان خلاف عبد الناصر مع الإخوان يعد دليلا قطعيا على العلمانية ومحاربة الإسلام.
أما مطالبة خصوم الثورة بالتخلص من صراعات الماضي، فهي دعوة محمودة، لكنها ينبغي أن تبدأ أيضًا بالتخلص من الصور النمطية التي رسمها بعضهم لعبد الناصر وثورة يوليو، والتي اختزلت تجربة تاريخية معقدة في شعارات من قبيل “الفشل” و”الهزيمة” و”الديكتاتورية”، متناسية أن الأمم لا تُقاس بمنعطف واحد، بل بحصيلة مسيرتها الكاملة.
إن الإنصاف التاريخي لا يكون بتوزيع شهادات البراءة أو الإدانة، وإنما بقراءة الوقائع في سياقها، وموازنة النجاحات بالإخفاقات، والاعتراف بأن ثورة يوليو، رغم ما يؤخذ عليها، صنعت تحولات كبرى في مصر والأمة العربية العربية، وأعادت تشكيل الوعي القومي، ورسخت قيم الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، وألهمت عشرات الشعوب في كفاحها ضد الاستعمار.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: *هل كانت ثورة يوليو معصومة من الخطأ؟* فكل التجارب البشرية يعتريها النقص. وإنما السؤال: *هل كانت، في مجموعها، خطوة إلى الأمام في* *تاريخ الأمة أم خطوة إلى الوراء؟*
وأحسب أن التاريخ، بعد أكثر من سبعين عامًا، لا يزال يجيب بأن يوليو كانت نقطة تحول كبرى، وأن كثيرًا من آثارها ما زال حاضرًا في وجدان الأمة، *وأن* *خصومها قبل أنصارها ما زالوا* *يجدون أنفسهم مضطرين للاعتراف بأنها كانت من أعظم* *الأحداث المؤسسة للعالم العربي الحديث.*