محمد عبد الله ولد بين يرد :*  *حين يتطاول “متفلسفة الهوامش” على قامات الرسوخ العلمي* 

ليس غريبًا أن يختلف العلماء، ولا جديدًا أن تُناقَش الآراء وتُمحَّص الأقوال؛ فذلك من طبيعة الفكر الإسلامي الحيّ، ومن سنن العلم التي قامت عليها الحضارة الإسلامية قرونًا. ولكن الغريب حقًا، والمثير للأسف والدهشة معًا، أن يتحول الخلاف العلمي إلى منصّة للتعالي الأجوف، والتنابز المعرفي، واستعراض العضلات الاصطلاحية أمام رجل من طراز العلامة الشيخ محمد فاضل ولد محمد الأمين، الذي تشهد له ميادين العلم والدعوة والفكر والتربية والإصلاح بما لا يملك معه المنصف إلا أن يوقّر ويُنصف.

لقد كشف المقال الذي كتبه عبد الرحمن النحوي ـ ومن سبقه ممن لبسوا ثياب “العقلانية الكلامية” الفضفاضة ـ عن أزمة أعمق من مجرد اعتراض على رأي أو مناقشة لاجتهاد؛ إنها أزمة تصور للعلم نفسه، وأزمة فهم لمقامات الرجال، وأزمة خلط بين أدوات التفكير وحقائق المعرفة.

فالكاتب لم يناقش الشيخ مناقشة الندّ للندّ في إطار الاحترام العلمي الرصين، وإنما سعى ـ بوعي أو بغير وعي ـ إلى صناعة ثنائية زائفة بين “المعقولات” وعلوم الشريعة، وكأن الفقهاء والمفسرين والمحدثين الذين شيّدوا الحضارة الإسلامية كانوا مجرد “حفّاظ أسفار” لا يعقلون ولا يفقهون، وكأن العقل لم يُولد إلا مع كتب المنطق الصوري والمتون الكلامية المتأخرة.

وهذا ـ في حقيقته ـ سقوط في وهم ثقافي قديم، طالما أفسد ميزان التلقي عند بعض المتعالمين؛ إذ توهموا أن امتلاك المصطلح المنطقي، أو معرفة الفرق بين “التصور والتصديق”، أو “الموضوع والمحمول”، يجعل صاحبه أرسطو زمانه، ولو خلا من الفقه الراسخ، والبصيرة الشرعية، وسلامة الفطرة، ودقة الاستنباط.

إن الشيخ محمد فاضل ليس طالبًا مبتدئًا حتى يُمتحن أمام الجمهور في “المقولات العشر” و”السلم المنورق”، ولا هو خطيب حماسي محدود التكوين حتى يُتهم بإهمال العقل والمنطق. بل هو رجل خبر ساحات الجدل الفكري الحقيقي يوم كانت الموجات الإلحادية واليسارية والتغريبية تعصف بموريتانيا والمنطقة كلها، فوقف لها بالحجة والبرهان، لا بالاستعراض اللفظي ولا بالزينة الاصطلاحية.

وحين كان كثير من المتحمسين يلوذون بالشعارات، كان الشيخ محمد فاضل يقتحم معاقل الفكر المادي، ويفكك شبهاته، ويهدم أسسه من الداخل، حتى صار اسمُه مهيبًا في أوساط الاتجاهات الفكرية كافة؛ يعرفه الإسلاميون، ويهابه اليساريون، ويقدّره العقلاء، لأنه لم يكن صاحب محفوظات جامدة، بل صاحب عقل نافذ، ولسان حجة، وفقه مقاصد، وقدرة نادرة على تركيب المعرفة وربطها بالواقع.

ثم يأتي اليوم من يختزل هذه المسيرة في دعوى ساذجة مفادها أن الشيخ “لو درس المنطق لما قال ما قال”!

وهل كان أئمة الإسلام الكبار ـ من مالك والشافعي وأحمد والبخاري وابن تيمية والشاطبي ـ عاجزين عن إدراك “الموضوع والمحمول”؟ أم أن الأمة لم تعرف التفكير إلا بعد أن تسللت إليها شروح السنوسي والمواقف والمقاصد؟

إن هذا الخطاب المتعالي الذي يُقدِّس الآلة على حساب الغاية، ويجعل المنطق ميزانًا للحقائق، هو نفسه الذي أنتج عبر التاريخ طبقات من “المتكلمين” الذين أرهقوا الأمة بالجدل العقيم، حتى قال فيهم كبار العلماء ما قالوا من النقد والتحذير.

وليس معنى هذا ازدراء علم المنطق أو التقليل من شأن علوم الآلة، فهي أدوات نافعة في محلها، وقد انتفع بها كثير من العلماء، ولكن الكارثة تقع حين تتحول الأداة إلى صنم معرفي، ويُتوهم أن من لم يمر عبرها لا عقل له ولا فهم.

إن العقل في الإسلام ليس حشدًا من المصطلحات، بل ملكة إدراك، ونور بصيرة، وحسن تنزيل، وسلامة نظر. وقد يوجد هذا عند فقيه محظري بسيط لا يعرف “إيساغوجي”، ويغيب عن متفلسف يحفظ ألفية السلم عن ظهر قلب.

ومن أعجب ما في مقال النحوي أنه يتحدث عن “احتقار العقل” في المحاظر والجامعات الشرعية، بينما الواقع التاريخي يكذب هذا الادعاء من أساسه؛ فالمحظرة الشنقيطية لم تكن مصنعًا للتلقين الغبي، وإنما كانت مدرسة لصناعة الملكة العلمية: حفظًا وفهمًا، وتحريرًا ومناظرة، وتدريبًا على الاستنباط، وربطًا بين النصوص والواقع. ومنها خرج القضاة والمفتون والأصوليون والمفسرون واللغويون الذين شهد لهم المشرق والمغرب.

ولو كانت المحاظر كما وصف، لما أنجبت هذا السيل الجارف من العلماء الموسوعيين الذين بهروا الجامعات الحديثة نفسها.

أما الشيخ محمد فاضل تحديدًا، فمكانته لا تُستمد من لقب إداري، ولا من دكتوراه أكاديمية، ولا من صخب إعلامي عابر، وإنما من تاريخ طويل من البذل العلمي، والإصلاح الفكري، والتجديد المحظري، والزهد الشخصي، والنزاهة الأخلاقية، والاستقلال في الموقف.

إن الرجل الذي قاد مشاريع تحديث التعليم المحظري، وأسهم في تأسيس المؤسسات العلمية الحديثة، وكتب في القضايا الوطنية الكبرى بعمق وشجاعة، وعُرف بالنظافة اليدوية والفكرية، أكبر بكثير من أن يُختزل في “هفوة” يضخمها خصومه، أو رأي يخالف فيه بعض معاصريه.

ثم إن من الإنصاف الذي يفرضه العلم والأدب معًا، أن نفرق بين مناقشة القول والطعن في القامة العلمية لصاحبه. فالرد العلمي حق، بل قد يكون واجبًا، لكن تحويل الخلاف إلى مناسبة للتشكيك في أهلية رجل بهذه المنزلة، ليس من أخلاق العلماء، بل من أمراض عصر الاستسهال الثقافي، الذي جعل بعض الناس يظنون أن قراءة بضعة متون، أو امتلاك قدرة خطابية على وسائل التواصل، يخول لهم اقتحام مقامات الأكابر.

وقديمًا قالوا: “معرفة أقدار الرجال نصف العلم”.

وما أحوجنا اليوم إلى هذا النصف المفقود.

إن الشيخ محمد فاضل ولد محمد الأمين يمثل امتدادًا لسلسلة علمية وروحية نادرة في بلاد شنقيط؛ سلسلة اجتمع فيها العلم والورع، والفهم والخلق، والأصالة والتجديد. ومن كان هذا نسبه العلمي، وهذه سيرته، وهذا أثره، فلا يضره أن ينعق عليه بعض المتعجلين، ولا أن يتطاول عليه من لم تكتمل أدواتهم بعد.

فالقامات الحقيقية لا تهتز بضجيج العابرين، والجبال لا تضرها الحصى المتطايرة.

وسيظل الشيخ ـ عند المنصفين ـ واحدًا من أعلام الفكر والفقه والإصلاح في موريتانيا المعاصرة، شاء من شاء وأبى من أبى.

زر الذهاب إلى الأعلى