*محمد عبد الله ولد بين يكتب :*   *الساموري وموسم الاستثمار في الكراهية* 

حين تتحول المظلومية إلى تجارة سياسية، ويتحوّل الخطاب الحقوقي إلى منصة لشحن المجتمع وتمزيق وحدته

في اللحظات الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، ترتفع أصوات كثيرة تطالب بالإصلاح والإنصاف، وهذا حق مشروع تكفله القوانين وتدعمه الدولة والمجتمع. لكن بين المطالبة العادلة، وبين الاستثمار في الألم الجماعي لإشعال الأحقاد، توجد مسافة أخلاقية ووطنية شاسعة، لا يجوز تجاوزها تحت أي عنوان.

لقد خرج الساموري ولد أبي في تسجيل مطول تجاوز الساعة، محمّلا بخطاب تصعيدي يقوم على التعميم والتحريض، ويعيد إنتاج مفردات الكراهية والانقسام، من خلال الحديث عن “حكومة البيظان” واتهام مكوّن اجتماعي كامل بالهيمنة والظلم، وكأن الوطن لم يعد دولة جامعة، بل ساحة صراع عرقي مفتوح.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بالنقد السياسي، بل يحاول تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى متاريس نفسية، وإعادة تعريف المواطنين وفق ثنائية ظالم ومظلوم، وسيد وعبد، وبيظاني وحرطاني، وهي لغة تتناقض مع روح الدولة الحديثة، وتنسف كل الجهود الوطنية التي بُذلت خلال العقود الماضية لترميم آثار المظالم التاريخية، وبناء مجتمع المواطنة المتساوية.

لقد تعوّد الرأي العام، كلما خبت أضواء الساموري، أن يعود بخطاب صاخب، مليء بالاتهامات والادعاءات، مصحوبا دائما بقصة “تهديد” أو “استهداف”، في محاولة لصناعة بطولة وهمية، أو خلق حالة استقطاب جديدة تعيده إلى دائرة الضوء.

وفي الواقعة التي تحدث عنها داخل مكتب الوزير سيدنا عالي ولد محمد خونا، زعم الساموري أنه تعرض للتهديد بالسلاح، وأن الاجتماع كان “موجها ضد لحراطين”، بينما كان الحاضرون شهودا على زيف هذه الرواية، وقد نفى ذلك علنا رؤساء المركزيات النقابية، ومن بينهم أمناء عامون من شريحة لحراطين أنفسهم، وهو ما يكشف حجم المبالغة والتوظيف السياسي للحادثة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

من منح الساموري حق الحديث باسم لحراطين؟

ومن خوّله أن يحتكر قضية اجتماعية وطنية معقدة، وأن يحولها إلى منصة للهجوم على “البيظان” والتحريض عليهم؟

لحراطين ليسوا جماعة معزولة عن مجتمع البيظان، ولا كيانا منفصلا عن الدولة، بل هم مكوّن أصيل من النسيج الوطني الموريتاني، ساهم في بناء هذا الوطن، وشارك في مؤسساته، وتقلّد أبناؤه أعلى المناصب السياسية والعسكرية والإدارية والنقابية، خلافا لما ادعاه الساموري .

كما أن قضايا التفاوت والغبن التاريخي التي عانوا منها لم تعد موضوع إنكار رسمي أو مجتمعي، بل أصبحت محل اعتراف واضح من الدولة، تُرجِم إلى قوانين وتجريم للاسترقاق، وبرامج للتمكين الاقتصادي، ومشاريع تعليمية واجتماعية، وهي خطوات لا يمكن لعاقل أن ينكر أهميتها، حتى وإن كانت الحاجة لا تزال قائمة لمزيد من العدالة والإنصاف.

غير أن بعض المتاجرين بالقضية لا يريدون لهذه الجراح أن تلتئم، لأن استمرار التوتر هو مصدر حضورهم الإعلامي والسياسي.

فهم لا يقتاتون على الحلول، بل على الأزمات، ولا يزدهر خطابهم إلا في مناخ الاحتقان والكراهية.

والأخطر من ذلك، أن خطاب الساموري لا يكتفي بتأجيج المظلومية، بل يزرع الكراهية الجماعية ضد فئة كاملة من المواطنين، مستخدما أوصافا وتصنيفات تتنافى مع الدستور الموريتاني، ومع القوانين التي تجرّم التحريض على الكراهية والتمييز العرقي.

إن معركة موريتانيا الحقيقية اليوم ليست بين “البيظان” و”لحراطين”، بل بين خطاب الدولة وخطاب الفوضى، بين مشروع المواطنة ومشروع التمزيق، بين من يريد بناء وطن يتسع للجميع، ومن يريد تحويل كل أزمة إلى فرصة لشحن النفوس وإحياء الأحقاد القديمة.

لقد تجاوز الشعب الموريتاني، بوعيه وتعايشه، كثيرا من الفتن التي حاول البعض إشعالها، وأثبت أن وحدته الاجتماعية أعمق من خطابات التحريض الموسمية.

كما أثبتت الدولة، رغم التحديات، أنها تسير في اتجاه معالجة الاختلالات بروح قانونية وتنموية، لا بروح الانتقام أو التصنيف العرقي.

أما الذين يحاولون احتكار الحديث باسم فئة اجتماعية كاملة، وتقديم أنفسهم أوصياء على آلام الناس، فإن الزمن كشف أنهم غالبا ما يحولون القضايا العادلة إلى مشاريع شخصية، وأن ضجيجهم يرتفع كلما انخفض رصيدهم السياسي أو النقابي.

إن الدفاع عن لحراطين لا يكون بإهانة البيظان، كما أن رفض الظلم لا يكون بزرع الكراهية، لأن الكراهية لا تبني وطنا، بل تهدمه من الداخل.

وسيظل العقلاء من كل المكونات يدركون أن موريتانيا أكبر من خطابات الشحن، وأن مستقبلها لا يُبنى بالصراخ، بل بالعدالة، والإنصاف، والوحدة الوطنية، واحترام القانون، ورفض المتاجرة بآلام الناس مهما كانت الشعارات المرفوعة.

زر الذهاب إلى الأعلى