الحسن بلخير يكتب /”مابين حق النقد وخطورة الإنزلاق”

في خضم الجدل القائم حول الإجراء القضائي الذي أودى بالبرلمانيتين ، السيدة قامو عاشور و السيدة مريم منت الشيخ إلى السجن و ما نجم عن ذلك من ردود فعل و تصريحات، ذهبت إلى تصنيف الحكم بأنه استهداف لمكونة لحراطين ، يجدر بنا أن نتمعن في جوهر القضية و أسبابها ، لنميز ما بين حق النقد المكفول ، و بين خطورة الانزلاق للشرائحية و الشطط في استعمال الإساءة للأشخاص و السب و القذف و القدح في الأعراض ، و المساس بالمقدسات و الرموز الوطنية التي يجرمها القانون…اللهم إلا إذا كنا نريد أن نعيش في دولة لا يعرف فيها المواطن حدوده من السلطة ليبقى وليه هواه….!!
و في هذا الموقف بالذات، و كأحد أبناء هذه المكونة ، و المنحدر من أكثرها هشاشة فإن الحرص على مصالحها كغيرهم من الفئات الهشة يلزمني أن أؤكد أن هذه المكونة لن تنتصر بالمعارك الكلامية المشحونة ، و الهجوم و التحامل على أي شريحة اجتماعية معينة ، و لا على الرموز الوطنية لأي نظام بالقذف و السب العلني ، الذي تجرمه المحاكم ، بل بالقدرة على تحويل مطالبها إلى مكاسب ملموسة تنال الدعم من أصحاب القرار و صناع الرأي في أعلى المستويات…..
فلا يجب أن نسمح لاستيائنا على وضع معين ، و بأي حال من الأحوال ، أن يضيع في كلمة سب أو قدح ، بل يجب أن نحوله إلى معلومات دقيقة ، أو صور موثقة ، أو مطالب موضوعية ، أو شكاوي رسمية يمكن التعاطي معها..كما يمكن أن نستغله في مبادرات شبابية ؛ تنظيف شارع ، أو تعليم صغار لترسيخ مفهوم المواطنة ، التي بها وحدها نبقى نطالب بالمزيد في ظل دولة قائمة نبحث فيها عن حقوقنا كموريتانيين… لأن الخطاب الشرائحي لا يخدم بناء الدول ، بل يضعفها و ينهكها بتكسير الوحدة الوطنية و يعطي سلاحا قويا للتدخل الخارجي ليحولها إلى غنائم….!!!
و إذا كان السكوت عن المطالب المشروعة ، و المتعلقة بمظلمة لحراطين كمكونة خسارة ، فإن نكران المكاسب الصريح و المغالاة فيه يفقدنا كذلك المصداقية كمكونة من هذا المجتمع ، الذي يضم مكونات أخرى ليست أقل أحقية و لا وطنية…. إذ أن قاعدة الإنجازات و الجهود التي يبذلها النظام تستحق التثمين ، و ذلك في مجالات عدة من أهمها:
1- التمثيل السياسي و الإداري ؛ حيث سجلت زيادة ملحوظة في تمثيل لحراطين في المناصب العليا في البلد: وزراء ، وولاة و حكاما و منتخبين ، مقارنة مع العقود السابقة مع تركيز الخطاب على الكفاءة بدلا للانتماء القبلي…
2-البرامج الاجتماعية الموجهة ، و التي استفادت منها المكونة بشكل مباشر ، حيث أنها تمثل أكبر نسبة من الفئات الهشة المستهدفة، من طرف برنامج التآزر الذي يباشر توزيع تحويلات نقدية شهرية تراوحت ما بين 150 إلى 600 ألف أسرة فقيرة ، غالبيتها بالحوضين و كوركول و لبراكنة، مع تأمين صحي مجاني شمل أكثر من 600 ألف مواطن….
و يعتبر البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية ، الذي نقدم منه هنا كمثال حي مقاطعة امبود ، و التي جاءت على طليعة جميع مقاطعات البلد بتمويل قدره 13 مليار أوقية ، ليعكس هذا الرقم الكبير الأولوية التي تعطيها القيادة لهذه المقاطعة ، ليس لكثافتها السكانية، بل لأنها أكثر المقاطعات هشاشة و نسبة النفاذ فيها للخدمات الأساسية كانت منخفضة..فتم التدخل في خمس مكونات شملت التعليم ، الصحة ، و الماء و الكهرباء ، الطرق و المسالك الريفية ، ثم الدعم الاجتماعي و التمثيل ، في رزمة من 25 مشروعا مبرمجة ، انطلقت منها 18, و تم تسليم 12 منها بصورة نهائية…..و على غرار بلديات امبود التسع ، لا تخلو بلدية على المستوى الوطني من مشاريع تم انجازها أو قيد التنفيذ………و هذا أبسط دليل على نفي استهداف المكونة قصد الاضرار…..
أكثر من ذلك ، لقد عمل هذا النظام على تبني آمال المواطنين و تطلعاتهم ليبلورها في وعود يقوم عليها برنامجه الانتخابي ” طموحي للوطن” فعمل على:
– تقريب الإدارة من المواطنين عن طريق منصات تفاعلية فورية و مباشرة ( منصة عين ، خدماتي ، هويتي…) لتسهيل التواصل مع المواطن عند الحاجة مع استغلال للوقت و الجهد ، و ليست “مكافحة الجريمة السيبرانية” بأقل أهمية…
-كسرالحاجز ما بين المواطن و المسؤولين الاداريين من خلال تحويل مطالبه إلى مشاريع تنموية قائمة ( حجرات دراسية ، نقاط صحية ، توفير المياه الصالحة للشرب ، كهربة القرى ، فك العزلة ( في امبود تم تقليص التنقل ما بين بعض القرى الريفية من 90 دقيقة إلى 45 فقط).
– مكافحة الفساد المالي و الاداري و ربط المواطن بالدولة بدل أصحاب النفوذ الذين كان يلجؤ إليهم لبناء المدارس أو كسب بعض الحقوق. اليوم أصبح المواطن يفهم أهمية الدولة و دورها في التحسين من ظروفه في حاجاته الأساسية…زد على ذلك السياسة المنتهجة للولوج إلى الوظيفة العمومية و التي تعتمد على مبدأ الكفاءة و تكافؤ الفرص، من خلال إدخال آلية الرقمنة بطريقة عصرية و شفافة…
هذه المشاريع التنموية و الانجازات هي ما تحتاجه الفئات الهشة بما فيها مكونة لحراطين ، و التي تمثل السواد الأعظم في الولايات الداخلية الأكثر هشاشة ، و أحياء انواكشوط الشعبية ، فعلينا أن نحكم العقل على العاطفة ، و بهذا نكسب قضيتنا كمواطنين موريتانيين لدينا حقوق و علينا واجبات…….!!!!
الحسن ولد بلخير ، مكلف بمهمة لدى ديوان الوزير الأول
عضو المكتب السياسي لحزب الانصاف.