*محمدعبد الله ولد بين يكتب:* *اغتيال الذاكرة الوطنية: من يخاف أحمدو ولد عبد القادر؟*

في الأمم الحيّة لا تُقاس قيمة الرجال بما يشغلونه من مناصب عابرة، ولا بما يملكون من سلطان مؤقت، وإنما بما يتركونه في وجدان شعوبهم من أثر، وما يغرسونه في ذاكرة الأجيال من قيم ومعانٍ وأحلام كبرى. ومن هنا يبدو استبعاد نصوص الشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر من المناهج التعليمية الوطنية فعلا يثير الأسى والدهشة، لأنه لا يستهدف مجرد نصوص أدبية، بل يطال صفحة مضيئة من تاريخ الوعي الوطني والقومي والثقافي في موريتانيا.
أيُّ عقل تربوي يمكن أن يقبل أن تُنزَع من كتبنا تلك النصوص التي غذّت وجدان أجيال كاملة بمعاني الحرية والانتماء والكرامة؟ وأيُّ مشروع ثقافي ذاك الذي يرى في شعر أحمدو خطرا يستوجب الإقصاء، بينما ظل هذا الشعر لعقود منارات تهدي التلاميذ إلى حب الوطن، والإيمان بالإنسان، والتشبث بقضايا الأمة؟
لقد كان أحمدو ولد عبد القادر صوتا وطنيا وأخلاقيا نادرا، لم يكتب للترف اللغوي ولا للمباهاة الثقافية، وإنما كتب بروح المناضل المؤمن برسالة الكلمة. عاش عمره منحازا إلى الأرض والإنسان، إلى الحرية والعدل، إلى فلسطين الجريحة، وإلى الجماهير التي كان يرى فيها مخزن المعجزات الكبرى. ولذلك لم تكن نصوصه مجرد مواد مدرسية، بل كانت تربية وجدانية وأخلاقية ووطنية.
مع أحمدو فرح الموريتانيون بعيد الاستقلال، واستعادوا عبر قصائده نبض البدايات الجميلة، وحلم الدولة الفتية وهي تشق طريقها بثقة وكبرياء. ومعه تعلمت أجيال أن الحرية لا تُوهب وإنما تُنتزع من رحم المعاناة، وأن الظلم مهما طال لا يستطيع أن يخنق إرادة الشعوب.
وحين كتب لفلسطين، لم يكن يكتب عن جغرافيا بعيدة، بل عن جرح يسكن ضمير الأمة كلها. كانت قصائده تمسح دموع المقهورين وتوقظ الإحساس بالكرامة، ولذلك حفظها الناس قبل أن تحفظها الكتب، ورددتها الحناجر قبل أن تدرَّس في الفصول.
كما أن أحمدو لم يكن مجرد شاعر، بل كان مشروعا ثقافيا متكاملا. فقد أدخل الرواية الوطنية الحديثة إلى البيوت والعقول عبر أعماله السردية العميقة، مثل «الأسماء المتغيرة» و«القبر المجهول»، حيث امتزج التاريخ بعلم الاجتماع، واللغة الرفيعة بالتصوير الإنساني الدقيق، فصنع مدرسة أدبية قائمة بذاتها.
إن الذين يظنون أن حذف نصوص أحمدو من المناهج يمكن أن يمحو أثره، يخطئون فهم طبيعة الأدب الحقيقي. فالنصوص العظيمة لا تعيش بقرار إداري، ولا تموت بمقص رقابي. الأدب الذي يسكن الوجدان الشعبي أبقى من المناهج، وأرسخ من القرارات المؤقتة.
والمؤلم أن هذا السلوك لا يبدو معزولا، بل يدخل ضمن نزعة خفية لإعادة قصّ الذاكرة الوطنية، عبر إبعاد الرموز المؤسسة من المجال التربوي والثقافي، وكأن هناك من يريد صناعة قطيعة بين الأجيال الجديدة وبين تاريخ الكفاح الوطني والسياسي والثقافي الذي صنعت به موريتانيا نفسها. وهي المحاولة ذاتها التي طالت رموزا وطنية كبيرة مثل المختار ولد داداه، في مسعى يائس لتقزيم التاريخ أو إعادة تشكيله وفق أهواء ضيقة.
غير أن الذاكرة الوطنية أعند من كل محاولات الطمس. فأحمدو ولد عبد القادر لم يعد مجرد اسم في كتاب، بل صار جزءا من الروح الثقافية الموريتانية. وستظل قصائده تتردد في المدارس والبيوت والمجالس، كما تتردد الأغنيات التي شدت بها ديمي منت آبه والمعلومة منت الميداح، وستبقى كلماته تعبر الأجيال كما تعبر الرياح سهول الوطن وروابيه.
إن الأمم التي تحترم نفسها لا تحارب رموزها الثقافية، بل تصونها وتقدمها للأجيال باعتبارها جزءا من الأمن الروحي والرمزي للأمة. أما العبث بالذاكرة الأدبية والتاريخية، فليس سوى عبث بمستقبل الوطن نفسه.ت
وسيظل أحمدو، مهما حاول البعض إبعاده، حداءً خالدا في ضمير موريتانيا، لأن الكلمة الصادقة لا تُنفى، والرموز الكبرى لا تغيب، والأوطان لا تُبنى بطمس ذاكرتها، وإنما بحفظها والوفاء لها.