*بين الشائعة والحقيقة:* *حنفي ولد دهاه يكسر الصورة النمطية عن المختار ولد اجاي/ محمد عبد الله بين

يحمل نص مقابلة شهادة الصحفي حنفي ولد دهاه في حق الوزير الأول المختار ولد اجاي أبعادا تتجاوز حدود الانطباع الشخصي أو الدفاع السياسي العابر، ليصبح وثيقة دالة على أزمة الثقة في المجال العام الموريتاني، وعلى طبيعة العلاقة المعقدة بين الصورة السياسية المتداولة والحقيقة التي قد تتكشف في الاحتكاك المباشر بالأشخاص.

فالشهادة هنا لا تصدر عن حليف سياسي، ولا عن موظف تابع، ولا عن ناشط داخل ماكينة الدعاية الرسمية، بل عن صحفي يساري مستقل عُرف بحدة نقده، وبمسافة واضحة من نظام محمد ولد عبد العزيز، وبنزعة شخصية لا تميل عادة إلى المجاملة السياسية أو صناعة الأصنام السلطوية.

إن أهمية النص لا تكمن فقط في مضمونه، بل في مصدره وسياقه وطبيعة اللغة التي صيغ بها.

فحين يقول حنفي ولد دهاه إنه التقى المختار ولد اجاي – صدفة – ساعات طويلة، وناقشه في كل ما خطر بباله، وخرج بقناعة أن الرجل *“ليس فاسدا”* ، فإنه لا يقدم شهادة قانونية بالبراءة، وإنما يقدّم شهادة أخلاقية وسياسية نابعة من المعايشة المباشرة.

وهذه النقطة بالذات هي التي تمنح نص المقابلة ثقلها الرمزي، لأن المجتمعات التي تتآكل فيها الثقة العامة تصبح فيها الشهادات الشخصية ذات تأثير مضاعف، خاصة إذا صدرت عن شخصيات معروفة بالاستقلالية.

لقد استطاع النص أن يكسر صورة نمطية استقرت طويلا في الوعي الشعبي، وهي أن كل من اقترب من السلطة في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لا بد أن يكون جزءا من منظومة فساد شاملة. وهذه إحدى الإشكاليات الكبرى في المجتمعات السياسية الهشة: التعميم الأخلاقي.

فحين يتحول النظام السياسي كله إلى متهم، يصبح كل من عمل داخله موضع شبهة تلقائية، دون تمييز بين من تورط، ومن حافظ على مسافة من الفساد، أو حتى من حاول أداء دوره الإداري بكفاءة مجردة.

من هنا، تبدو شهادة حنفي محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة “الفرد داخل النظام”، أي إمكانية وجود شخصيات إدارية أو سياسية احتفظت بقدر من النزاهة المهنية رغم اشتغالها داخل منظومات معقدة ومثقلة بالاتهامات.

وهذه الفكرة ليست دفاعا عن الأنظمة، بقدر ما هي دفاع عن العدالة الأخلاقية في الحكم على الأشخاص.

اللافت في النص أيضا أن حنفي لم يعتمد خطابا إنشائيا أو دعائيا، بل بنى شهادته على تفاصيل إنسانية دقيقة: التواضع، طريقة المخاطبة، الإنصات، الاحتفاظ بالوثائق والصور، القدرة على الإجابة، ثم الاستعداد للحديث الطويل دون توتر أو مراوغة. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في الغالب قناعة المثقف أو الصحفي، لأن السياسة في عمقها ليست خطابات فقط، بل سلوك يومي وطريقة حضور.

كما أن السخرية التي ينقلها عن المختار ولد اجاي حين سأله عن سبب رغبة ولد عبد العزيز فيه — “لعله يريدني لجمع الضرائب” — تحمل دلالة مزدوجة؛ فهي من جهة اعتراف ضمني بالكفاءة الإدارية، ومن جهة أخرى نقد ساخر لطبيعة السلطة التي كانت توظف الكفاءات لخدمة مشروعها المركزي. ولذلك فالنص لا يبدو تبرئة مجانية، بل قراءة مركبة لرجل دولة تشكل داخل بيئة سياسية صعبة.

ولا يمكن فهم هذه الشهادة بعيدا عن البنية الاجتماعية والثقافية لكاتبها. فحنفي ولد دهاه ينتمي إلى وسط اجتماعي محافظ على قيم الاعتداد بالنفس والصرامة الأخلاقية، كما أن تكوينه اليساري المستقل يجعله أقل قابلية للذوبان في السلطة أو البحث عن الامتيازات. ولهذا فإن شهادته تكتسب قوة إضافية لأنها صادرة عن شخص يُفترض فيه الشك أكثر من التزكية، والنقد أكثر من الإشادة.

لكن الأهم من كل ذلك أن النص يفتح سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة المجال العمومي في موريتانيا: لماذا أصبح من الصعب على الناس تصديق أي شهادة إيجابية في حق مسؤول سياسي؟

الجواب يكمن في تراكم خيبات الثقة، وفي انتشار ثقافة الريبة الجماعية، حيث أصبح المواطن يفترض مسبقا أن كل مسؤول متورط، وأن كل مدافع عنه مستفيد بطريقة ما.

وهذه الحالة ليست صحية في أي مجتمع؛ لأنها تؤدي في النهاية إلى انهيار فكرة العدالة نفسها، وتحويل الاتهام إلى بديل عن الإثبات.

إن الدول لا تبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل أيضا بإمكانية وجود شخصيات عامة تحظى بالثقة ولو جزئيا. وإذا كانت النخب السياسية جميعها تُختزل في صورة واحدة قاتمة، فإن المجال العام يتحول إلى فضاء للكراهية المتبادلة لا للإصلاح العقلاني.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الشهادة الأخلاقية والحقيقة القضائية.

فشهادة حنفي، مهما بلغت قوتها الرمزية، لا تعني إغلاق باب النقد أو المساءلة، كما أنها لا تمنح حصانة سياسية لأحد. لكنها في المقابل تفرض على الرأي العام واجبا أخلاقيا آخر: ألا يتحول الاتهام الشعبي إلى عقيدة نهائية لا تقبل النقاش.

في النهاية، يمكن القول إن نص مقابلة حنفي ولد دهاه ليس مجرد دفاع عن المختار ولد اجاي، بل هو دفاع عن قيمة الإنصاف نفسها داخل المجال السياسي الموريتاني. وهو تذكير بأن الحقيقة الإنسانية أكثر تعقيدا من الصور الجاهزة، وأن النزاهة قد توجد أحيانا في أماكن لا يتوقعها الناس، تماما كما قد يختبئ الفساد خلف أكثر الشعارات بريقا.

زر الذهاب إلى الأعلى