*محمد عبد الله ولد بين يكتب:* نصيحتي إلى من ما زلتُ أدعمه…!*

لا شكّ أنّ الأزمات الكبرى التي تعاقبت على العالم خلال السنوات الأخيرة، لم تكن أحداثًا عابرة يمكن لأي دولة – خصوصًا الدول النامية – أن تمرّ عليها دون أن تترك أثرًا عميقًا في الاقتصاد والمجتمع وأولويات الحكم.
فقد جاءت جائحة كورونا لتربك الاقتصاد العالمي، وتُنهك الأنظمة الصحية، وتعيد ترتيب أولويات الدول والشعوب.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتُشعل أسعار الغذاء والطاقة، وتزيد من اختلال سلاسل الإمداد، وتدفع الدول الفقيرة ثمن صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
وأخيرًا، دخل العالم مرحلة أكثر خطورة مع التصعيد العسكري المرتبط بحرب أمريكا وإسرائيل على إيران، بما يحمله ذلك من تهديد للاستقرار الدولي وارتفاع جديد في تكاليف المعيشة والطاقة والنقل.
وفي خضمّ هذه التحولات الدولية المعقدة، يبقى المواطن الموريتاني هو الحلقة الأكثر تأثرًا، لأنّ آثار الأزمات العالمية تنعكس مباشرة على قدرته الشرائية، وعلى مستوى الخدمات، وعلى تفاصيل حياته اليومية.
ومع ذلك، فأنا على يقين بأنّ فخامة رئيس الجمهورية
محمد ولد الشيخ الغزواني
دخل الحكم وهو يحمل مشروعًا حقيقيًا لبناء دولة أكثر استقرارًا وعدالة، وتعهد أمام الشعب بتحسين ظروفه المعيشية، وتعزيز البنية التحتية، وإطلاق مسار تنموي حديث يضع موريتانيا في موقع أفضل.
ولا يمكن لأي منصف أن ينكر حجم المشاريع الهيكلية التي أُطلقت خلال السنوات الماضية:
طرق، وجسور، ومدارس، ومستشفيات، ومشاريع مياه وكهرباء، وبرامج اجتماعية، وإصلاحات إدارية، ومحاولات لإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس:
هل التنمية الهيكلية مهمة؟
بل: أيُّ تنمية يحتاجها المواطن الآن بصورة أكثر إلحاحًا؟
فالمواطن البسيط الذي يواجه ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وضغط الحياة اليومية، قد لا يشعر بأثر المشاريع الكبرى بالسرعة التي يشعر بها بأثر الدعم المباشر، وتحسين ظروفه المعيشية الآنية.
ومن هنا، فإنّ نصيحتي – وأنا ما زلت أدعم هذا النظام وأؤمن بوطنيته واستقراره – هي أن تعيد الحكومة ترتيب أولويات المرحلة، بما يحقق توازنًا دقيقًا بين مواصلة البناء الاستراتيجي للدولة، وبين تخفيف الضغط الاجتماعي عن المواطنين.
فليس عيبًا أن تُؤجَّل بعض المشاريع غير المستعجلة مؤقتًا، إذا كان ذلك سيسمح بتوجيه جزء من التمويلات نحو:
دعم المواد الأساسية،
تحسين الرواتب،
تعزيز الطبقات الهشة،
دعم الشباب،
خلق فرص عمل،
وتخفيف أعباء الحياة عن المواطن.
إنّ الدول الناجحة ليست فقط تلك التي تبني الجسور والطرقات، بل أيضًا تلك التي تحافظ على التماسك الاجتماعي، وتمنح المواطن شعورًا بأنّ الدولة قريبة من معاناته اليومية.
إنّ قوة الأنظمة لا تُقاس فقط بحجم الإنجازات العمرانية، بل أيضًا بقدرتها على قراءة اللحظة السياسية والاجتماعية، والتفاعل المرن مع التحولات والأزمات.
ولأنني ما زلت أدعم هذا المشروع الوطني، فإنني أرى أنّ المرحلة القادمة تتطلب خطابًا أكثر التصاقًا بالهمّ الشعبي، وسياسات اقتصادية أكثر حساسية للوضع الاجتماعي، ومصارحةً أوسع للمواطن بحجم التحديات والإكراهات.
فالشعوب قد تصبر على قلة الموارد، لكنها لا تصبر على الشعور بالتجاهل.
إنّ الحفاظ على الاستقرار، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، يمرّ اليوم عبر توسيع مظلة العدالة الاجتماعية، وإشعار المواطن بأنّه حاضر في قلب السياسات العمومية، لا على هامشها.
تلك هي نصيحتي…
إلى من ما زلتُ أدعمه.