حين تتحول المآسي إلى تجارة سياسية/محمد عبد الله بين

في اللحظات التي تهتز فيها المجتمعات على وقع حادث أليم أو جريمة مؤسفة، يعلو صوت الحكمة لدى من يريدون الحقيقة والعدالة، كما يرتفع في المقابل صوت آخر يسعى إلى استغلال الألم وتحويله إلى وقود للفرقة والانقسام. وهنا يصبح واجب العقلاء مضاعفًا: الدفاع عن الحق، وفي الوقت نفسه حماية السلم الأهلي من العابثين به.

إن من حق المواطنين أن يعرفوا الحقيقة كاملة في أي قضية تشغل الرأي العام، وأن تتولى مؤسسات الدولة تقديم الوقائع بشفافية، وأن يُحال كل متهم إلى العدالة وفق القانون، دون تمييز أو محاباة. فالدولة القوية لا تُبنى بالشائعات، وإنما ببسط الحقيقة، وإنفاذ القانون، وصيانة كرامة الناس جميعًا.

غير أن المؤسف هو أن بعض الأصوات المتطرفة ، يقودها نواب برلمانيون من أمثال برام الداه اعبيد وخاليدو جلو ، تسارع عند كل حادثة إلى صب الزيت على النار، واستثمار المآسي لإثارة الأحقاد، وشحن النفوس بخطابات الكراهية، وكأن همّها ليس إنصاف الضحايا، بل صناعة أزمة جديدة تعيدها إلى واجهة المشهد.

فهؤلاء لا يتغذون إلا على التوتر، ولا يعيشون إلا في مناخات الاستقطاب، وهم يعرفون أنفسهم والشعب يعرفهم.

إن الدعوات العنصرية، مهما كان لونها أو مصدرها، لا تخدم مظلومًا، ولا تحقق عدالة، بل تدفع المجتمعات إلى مزيد من الشقاق، وتحوّل القضايا الفردية إلى صراعات جماعية خطيرة.

وعندما يُختزل المجتمع في مكونات متناحرة، تضيع الحقيقة بين الضجيج، وتُستنزف طاقات الأمة في معارك عبثية.

ومجتمع موريتانيا أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويعالج ولا يحرّض، ويبني ولا يهدم. فهو يواجه تحديات حقيقية في انتشار الفساد و التعليم، والتشغيل، ومحاربة الفقر، وتحسين الخدمات، وترسيخ دولة القانون. وهذه الملفات أولى بالجهد من الاستثمار في الخصومات والهويات المغلقة.

إن الوطنية الصادقة لا تكون بإشعال الحرائق ثم ادعاء البحث عن إطفائها، ولا بتحويل كل حادثة إلى منصة تعبئة عاطفية، بل تكون بالدعوة إلى الإنصاف والتهدئة، ومساندة العدالة، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع.

كما أن المرجعية الأخلاقية والدينية ترفض المتاجرة بآلام الناس؛ فالفتنة إذا اشتعلت لا تميز بين أحد وآخر، والكلمة الجارحة قد تهدم ما تعجز عن هدمه سنوات من الأزمات.

وقد أمر الإسلام بالإصلاح بين الناس، ونهى عن الظلم والبغي وإثارة الفساد في الأرض.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو:

كشف الحقيقة كاملة في كل القضايا التي تهم الرأي العام.

و تمكين القضاء من أداء دوره باستقلال وعدالة.

ثم تجريم خطابات الكراهية والتحريض أيًا كان مصدرها ومعاقبة أهله.

و دعم الإعلام المسؤول الذي يتحرى الدقة ولا يلهث وراء الإثارة.

و ترسيخ ثقافة المواطنة الجامعة بدل الانتماءات المتصارعة.

وأخيرا وليس آخرا توجيه النقاش العام نحو التنمية والإصلاح بدل الفتن المفتعلة.

 

إن المجتمعات المنهكة بالأمية والفقر والهشاشة لا تحتمل مزيدًا من الانقسام.

ومن العبث أن يُضاف إلى أوجاع الناس وجع الفتنة، وإلى أزماتهم أزمة الكراهية.

لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يُترك القضاء يقول كلمته، وأن يُغلق الباب أمام تجار الأزمات بتوقيفهم ومحاسبتهم، وأن ينتصر الجميع لصوت العقل والعدل، لا لصخب التحريض والانفعال. فالسلم الأهلي ثروة كبرى، وإذا ضاع، خسر الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى