محمد عبد الله ولد بين يكتب :* ردا على مقال الأستاذ: إمام الشيخ*   *غزواني بعد سبع سنوات:*   *بين القراءة* *السياسية والوقوع في أسر الانطباع

يقدم الأستاذ إمام الشيخ في مقاله الموسوم بـ”غزواني بعد سبع سنوات” قراءة نقدية لتجربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم، وهي قراءة تستحق النقاش لما تطرحه من أسئلة حول السلطة والمعارضة والنخبة السياسية. غير أن المقال، رغم ما يتضمنه من ملاحظات ذكية، يقع في عدد من التعميمات والاستنتاجات التي تحتاج إلى مراجعة.

أولاً: من عنوان المقال إلى فرضيته الأساسية

ينطلق المقال من فرضية ضمنية مفادها أن الرئيس نجح في إخضاع المشهد السياسي وتحييد مختلف الفاعلين، حتى أصبح قادراً على رسم أفق سنة 2029 دون مقاومة حقيقية.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يعكس ذلك بالضرورة خللاً في الحياة السياسية، أم أنه يعكس نجاحاً في إدارة التوازنات الوطنية؟

فالأنظمة السياسية لا تُقاس فقط بحدة الصراع داخلها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج الاستقرار. وإذا كانت المعارضة عاجزة عن بناء بديل مقنع، فإن المسؤولية لا تقع دائماً على السلطة، بل قد تكون نتيجة أزمة داخل المعارضة نفسها، وضعف خطابها وبرامجها، وعجزها عن مواكبة تحولات المجتمع.

ثانياً: توصيف الحصيلة بالكارثية… بين الحكم السياسي والحكم القيمي

يشير الكاتب إلى أن بعض الخصوم يصفون حصيلة السنوات السبع بالكارثية، لكنه لا يقدم مؤشرات موضوعية تؤسس لهذا الوصف.

فإذا كان معيار الحكم هو الاقتصاد، فإن موريتانيا واجهت خلال هذه الفترة ظروفاً دولية استثنائية شملت جائحة كورونا، وأزمة سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالمياً. ومع ذلك حافظ البلد على استقراره المالي والنقدي، واستمرت مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.

وإذا كان المعيار هو الأمن، فإن موريتانيا ما تزال من أكثر دول الساحل استقراراً في محيط إقليمي مضطرب.

وإذا كان المعيار هو السلم الأهلي، فإن البلاد تجنبت الانقسامات والصراعات التي عصفت بعدد من الدول المجاورة.

إن وصف تجربة حكم كاملة بأنها “كارثية” يحتاج إلى أكثر من الانطباعات السياسية؛ يحتاج إلى أدلة ومعايير قابلة للقياس.

ثالثاً: الإثراء غير المشروع أم أزمة النخب؟

يطرح المقال سؤالاً يوحي بأن تراجع روح المواجهة لدى بعض النخب قد يكون ناتجاً عن “الإثراء الفاحش غير المشروع”.

وهنا ينتقل الكاتب من التحليل السياسي إلى الإيحاء الأخلاقي.

فإذا كانت هناك وقائع فساد محددة، فإن مكانها الطبيعي هو القضاء وهيئات الرقابة. أما تعميم الاتهام على النخب السياسية والإعلامية والاجتماعية دون أدلة، فإنه يضعف الحجة أكثر مما يقويها.

ثم إن التفسير الأحادي للأحداث نادراً ما يكون صحيحاً. فقد يكون جزء من الفاعلين السياسيين مقتنعاً فعلاً ببعض خيارات السلطة، وقد يكون جزء آخر اختار المعارضة الناعمة، وقد يكون جزء ثالث منشغلاً بأولويات مختلفة. وهذه ظاهرة تعرفها جميع الأنظمة السياسية، ولا يمكن اختزالها في فرضية واحدة.

رابعاً: الحوار الوطني… تحكم أم قيادة؟

يرى الكاتب أن الغزواني نجح في التحكم بإيقاع الحوار الوطني بحيث تسير الأحداث وفق الوتيرة التي يحددها بنفسه.

لكن هذا الوصف يمكن قراءته من زاوية مختلفة.

ففي النظم السياسية، لا يُطلب من رئيس الدولة أن يكون تابعاً لإيقاع المعارضة أو لضغط الشارع، بل أن يدير الزمن السياسي بما يخدم الاستقرار والمصلحة العامة.

والتاريخ السياسي مليء بأمثلة حوارات فشلت لأنها أطلقت تحت ضغط اللحظة والانفعال، بينما نجحت أخرى لأنها أُديرت بروية وتدرج.

إن التحكم في التوقيت ليس بالضرورة دليلاً على الهيمنة، بل قد يكون مؤشراً على امتلاك زمام المبادرة.

خامساً: الفساد والنهب… بين الشعار والبرهان

يكرر المقال مفردات “الفساد” و”النهب” وكأنها حقائق محسومة.

غير أن النقاش الجاد يقتضي التمييز بين وجود الفساد باعتباره ظاهرة تعاني منها معظم الدول، وبين الادعاء بأن الدولة أصبحت رهينة للفساد.

فالفرق كبير بين الاعتراف بوجود اختلالات تستوجب الإصلاح، وبين بناء صورة شاملة توحي بانهيار مؤسسات الدولة.

ومن الإنصاف الإقرار بأن مكافحة الفساد ليست حدثاً يقع مرة واحدة، بل مسار طويل ومتدرج تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والإدارية والسياسية.

سادساً: السياسة الخارجية… الحكمة أم الضعف؟

يتوقف الكاتب عند موقف موريتانيا من الأحداث المتعلقة بمالي ومن الاعتداءات التي طالت بعض المواطنين الموريتانيين، ويطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كان الصمت يعكس حكمة أم تردداً.

لكن المقال يميل إلى افتراض أن الرد القوي والعلني هو المعيار الوحيد للدفاع عن المصالح الوطنية.

وهذا افتراض غير دقيق.

فالسياسة الخارجية لا تُقاس بحجم الخطابات، وإنما بحجم المكاسب والخسائر. وقد يكون ما لا يقال في العلن أكثر تأثيراً مما يقال أمام الكاميرات.

وفي منطقة شديدة التعقيد مثل الساحل، قد يكون تجنب التصعيد خياراً استراتيجياً لحماية الأمن الوطني، وليس دليلاً على الضعف.

سابعاً: الدولة العميقة… المفهوم الملتبس

يستند المقال في خاتمته إلى فكرة “الدولة العميقة” بوصفها أحد أسباب استمرار هيمنة الرئيس على المشهد.

غير أن هذا المفهوم أصبح يُستخدم أحياناً كأداة تفسير جاهزة لكل ظاهرة سياسية يصعب فهمها.

فبدلاً من البحث في أسباب قوة السلطة وضعف المعارضة، يجري إرجاع كل شيء إلى كيان غامض يسمى الدولة العميقة.

والواقع أن تفسير الظواهر السياسية يقتضي دراسة المؤسسات والتحالفات والبرامج والقدرات التنظيمية، لا الاكتفاء بمفاهيم فضفاضة تفسر كل شيء ولا تفسر شيئاً في الوقت نفسه.

 

قوة مقال الأستاذ إمام الشيخ تكمن في الأسئلة التي يطرحها، لا في الأجوبة التي يقدمها. فهو يلفت الانتباه إلى قضايا حقيقية تتعلق بمستقبل الحياة السياسية وتوازنات السلطة في موريتانيا.

غير أن المقال يقع أحياناً في أسر الانطباع، ويستبدل البرهان بالإيحاء، والتفسير المركب بالتفسير الأحادي.

وبعد سبع سنوات من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يبقى التقييم الموضوعي أكثر تعقيداً من صورة النجاح المطلق أو الفشل المطلق. فالدول لا تُدار بالشعارات، كما أن التجارب السياسية لا تُقاس بالرغبات أو الخصومات، وإنما بحصيلة الإنجازات والإخفاقات معاً، وبالقدرة على المحافظة على الاستقرار مع الاستمرار في الإصلاح كما هو الحال في بلادنا.

زر الذهاب إلى الأعلى