*خطر تحويل الانتهاكات إلى صراع هوياتي في خطاب “الإرث الإنساني”*/ سيدي محمد ولد خليفه

*الردّ على مقال الأستاذ غورمو عبدول لو حول الخصوصية التاريخية والقانونية للإرث الإنساني*
الأستاذ غورمو عبدول لو المحترم،

اطلعتُ على ردّكم الموجّه إليّ، وما تضمّنه من تفصيلات حول ما تسمونه بـ«الإرث الإنساني» وخصوصيته التاريخية والقانونية، وما رافقه من تأكيد على أولوية هذا الملف في مسار العدالة الانتقالية في موريتانيا.
وإن كان من حقكم الدفاع عن الضحايا والمطالبة بكشف الحقيقة وجبر الضرر، وهو حق لا ينازعكم فيه أحد، فإن ما يثير النقاش الجوهري ليس أصل هذا الحق، بل الإطار الفكري الذي يُقدَّم فيه الملف، وما يترتب عليه من تصورات حول الذاكرة الوطنية وحدودها.
ذلك أن بعض أطروحاتكم، رغم صيغتها الحقوقية، تنزلق إلى بناء سردية انتقائية تُعيد تشكيل الذاكرة الوطنية خارج منطقها الشامل، وتدفع بها نحو قراءة هوياتية تُضعف جوهر العدالة الانتقالية بدل أن تعززه.
*أولًا:*من العدالة الانتقالية إلى احتكار الذاكرة الوطنية*
لا خلاف على أن أحداث 1989–1991 تمثل جرحًا وطنيًا عميقًا، وأن ما رافقها من انتهاكات جسيمة يستوجب الاعتراف والمساءلة وجبر الضرر.
لكن الإشكال يبدأ عندما يُقدَّم هذا الملف بوصفه «المظلومية الوطنية الأبرز والأخطر»، بما يحوّل جزءًا من التاريخ إلى مرجعية حصرية لبقية الانتهاكات.
هذا الطرح لا يطالب بالعدالة فحسب، بل يُعيد ترتيب الذاكرة الوطنية على أساس هرمي، تُمنح فيه الأولوية لسردية واحدة، بينما تُهمَّش بقية المآسي، وهو ما يُضعف مبدأ المساواة بين الضحايا.
*ثانيًا: أخطر الانزلاقات هو الانتقال من الدولة إلى الهوية*
من أخطر ما يطبع بعض القراءات لهذا الملف أنها لا تكتفي بوصف الانتهاكات بوصفها أفعال دولة، بل تميل تدريجيًا إلى تأويلها بوصفها تعبيرًا عن صراع بين مكونات اجتماعية.
وهنا يكمن الخلل الجوهري.
فحين تُختزل الدولة في مكوّن اجتماعي واحد، تتحول كل سياساتها القمعية إلى استهداف هوياتي، لا إلى ممارسات سلطوية قابلة للمساءلة.
وبذلك تنتقل المسؤولية من كونها مسؤولية نظام سياسي ومؤسسات دولة إلى مسؤولية جماعة بشرية، وهو انحراف خطير عن منطق الدولة الحديثة.
*ثالثًا: خطر إعادة إنتاج الاستقطاب العرقي*
إن تقديم «الإرث الإنساني» بوصفه مظلمة تخص طرفًا اجتماعيًا بعينه يفتح المجال، ولو بشكل غير مباشر، لقراءات تُحوّل الانتهاكات السياسية إلى صراع بين مكونات المجتمع.
فبدل أن يُطرح السؤال الصحيح: من قرر؟ من نفّذ؟ من يتحمل المسؤولية؟
يتم الانزلاق إلى سؤال آخر: من ينتمي إلى أي مكون؟
وهذا التحول من منطق الدولة إلى منطق الهوية يُعد من أخطر ما يهدد الذاكرة الوطنية، لأنه يُحوّل الانتهاكات من جرائم دولة ضد مواطنين إلى صراع جماعات فيما بينها.
*رابعًا: لا أحد يحتكر الألم ولا أحد يملك تعريف المأساة*
إن تضخيم مظلمة معينة بوصفها «الأكثر مركزية» في التاريخ الوطني قد يبدو توصيفًا حقوقيًا، لكنه عمليًا يُنتج تراتبية جديدة داخل الذاكرة الوطنية.
فالعدالة الانتقالية لا تقوم على معيار «الأكثر ألمًا»، بل على معيار ثبوت الانتهاك واستحقاق الجبر لكل الضحايا دون انتقاء.
وأي ترتيب هرمي للمعاناة يُضعف مبدأ المساواة الأخلاقية بين المواطنين.
*خامسًا:*الدولة مسؤولة… لكنها ليست طرفًا عرقيًا*
تحميل الدولة المسؤولية لا يعني إسقاطها على مكون اجتماعي بعينه.
فالدولة كيان قانوني وسياسي، وليس تعبيرًا عن هوية واحدة.
وتاريخيًا، فإن الأنظمة التي تعاقبت على الحكم لم تكن تمثل مكونًا واحدًا، كما أن الضحايا ينتمون إلى مختلف مكونات الشعب.
ومن ثم فإن تحويل المسؤولية السياسية إلى مسؤولية جماعية هو خلط خطير بين الدولة والمجتمع.
*سادسًا:*الخلط بين الدولة والمكونات الوطنية*
ثمة ميل في بعض القراءات إلى تقديم الأحداث وكأنها صراع بين مكونات اجتماعية، بدل أن تُفهم باعتبارها انتهاكات ارتكبتها أجهزة دولة في سياق سياسي محدد.
وهذا التأويل يُحوّل ملفًا حقوقيًا إلى سردية هووية، ويُهدد أسس السلم الاجتماعي.
*سابعًا:*العدالة الانتقالية لا تُبنى على الانتقاء*
التجارب المقارنة تؤكد أن العدالة الانتقالية تقوم على الشمول لا الانتقاء.
فلا معنى لتضخيم ملف وإقصاء آخر، بل المطلوب هو الكشف المتوازن عن مختلف الانتهاكات التي ارتُكبت خلال فترات الحكم المختلفة.
*ثامنًا:*التوظيف السياسي نتيجة الغياب لا نتيجة المطالبة*
إن التوظيف السياسي للذاكرة لا ينتج عن المطالبة بالعدالة، بل عن غياب المعالجة الشاملة والاعتراف الكامل.
فكلما تأجلت العدالة، بقيت الذاكرة عرضة للتأويل والاستثمار السياسي.
*تاسعًا:* *الوحدة الوطنية لا تُبنى على ذاكرة انتقائية*
الوحدة الوطنية لا تقوم على انتقاء المظالم، بل على اعتراف شامل ومتساوٍ بكل الضحايا.
فالدولة التي تعترف ببعض ضحاياها وتؤجل آخرين، لا تمارس العدالة، بل تدير ذاكرة مجزأة.
*عاشرًا:* *حطورة اللغة في خطاب «الإرث الإنساني»*
إن العبارات التي تم توظيفها في هذا السياق، رغم ظاهرها الوصفي، تحمل في بنيتها الدلالية شحنات عالية الحساسية، ويمكن أن تُسهم – إذا لم تُضبط ضمن سياق علمي وقانوني متوازن – في إعادة إنتاج التوتر داخل الذاكرة الوطنية.
ويتجلى ذلك في الآتي:
1- التصفية الجسدية على أساس الانتماء العرقي: هذا التوصيف يرفع مستوى التوتر الرمزي لأنه ينقل النقاش من أفعال دولة إلى «صراع هويات»، بما قد يغذي قراءات تصادمية للتاريخ.
2- الإذلال المنهجي بسبب الهوية: التعميم في هذا السياق قد يؤدي إلى تحميل جماعات واسعة مسؤولية أفعال محددة، بما يخلق شعورًا بالاستهداف الجماعي.
3- إسقاط الجنسية والترحيل القسري لعشرات الآلاف: الطرح الرقمي المجرد دون سياق قانوني قد يحول الملف إلى أداة تعبئة عاطفية بدل نقاش حقوقي متوازن.
4- مصادرة الممتلكات ووسائل العيش: عرضها في سردية واحدة مغلقة قد يعمّق صورة الإقصاء الشامل بدل تفكيك الوقائع بدقة.
5- الإفلات من العقاب عبر قانون العفو: تقديم العفو بوصفه «إفلاتًا مطلقًا» يتجاهل تعقيدات العدالة الانتقالية، وقد يغلق باب التفاهم بدل فتحه.
*الحادي عشر:** *من التوصيف الحقوقي إلى التوصيف الجنائي الدولي*
ومن الجوانب التي تستحق النقاش كذلك طبيعة التوصيفات القانونية التي تُلحق بهذه الأحداث. فإضفاء أوصاف من قبيل «الجرائم ضد الإنسانية» أو «الإبادة الجماعية» لا يُعد مجرد توصيف أخلاقي أو سياسي، بل يمثل انتقالًا بالقضية إلى حقل القانون الدولي الجنائي، بما يحمله ذلك من آثار قانونية ورمزية تتجاوز الإطار الوطني للأ حداث وتوظيفها في الخطاب العام لنقل النقاش من دائرة المعالجة الوطنية إلى دائرة الاهتمام أو المساءلة الدولية، بما قد يغيّر طبيعة القضية ومسار تناولها،وهذا قديفهم منه العمل علي تحويل النقاش من البحث عن العدالة
وجبر الضرر إلى الجدل حول التدويل وتوسيع دائرة الصراع .
*خلاصة هذا المحور*
إن العدالة الانتقالية تقتضي التمييز بين المطالبة المشروعة بالحقيقة والإنصاف، وبين التوسع في توصيف الأحداث بمفاهيم قانونية دولية ذات آثار سياسية وقانونية تتجاوز نطاق المعالجة الوطنية. فكلما ازداد الخطاب التزامًا بالدقة القانونية والموضوعية التاريخية، كان أكثر قدرة على خدمة الحقيقة وترسيخ المصالحة الوطنية.
*الخاتمة*
إن جوهر الخلاف ليس حول وجود الانتهاكات في الفترة 1989–1991، فهذا أمر لا يمكن أن يكون محل إنكار أو تجاهل، بل يتعلق بكيفية تأطير هذه الانتهاكات داخل الذاكرة الوطنية الجامعة.
فحين تُختزل المأساة الوطنية في سردية واحدة، أو تُقدَّم باعتبارها التعبير الحصري عن الظلم التاريخي، ينتقل النقاش تدريجيًا من منطق الدولة والمؤسسات إلى منطق الهوية والانتماء، ومن البحث عن العدالة إلى إعادة إنتاج الاصطفافات.
إن موريتانيا في حاجة إلى ذاكرة وطنية شاملة، تُنصف جميع الضحايا دون انتقاء، وتُحدد المسؤوليات دون تعميم، وتُعلي من قيمة المواطنة المشتركة على حساب الانقسامات والهويات الفرعية.
فالعدالة الحقيقية لا تُجزّأ، ولا تُستملك، ولا تُختزل في سردية واحدة، بل تُبنى على الحقيقة الكاملة، والإنصاف الشامل، والمساواة الكاملة بين المواطنين أمام القانون وأمام الألم.
نواكشوط – 13 يونيو 2026
سيدي محمد ولد اخليفه
.

زر الذهاب إلى الأعلى