*محمد عبد الله ولد بين يكتب :* ميثاق المواطنة بين شرعية التاريخ ومتطلبات المستقبل* 

تُبنى الأمم المستقرة على توافقات كبرى تشكل مرجعيتها الجامعة، وتحدد طبيعة العلاقة بين مكوناتها المختلفة. وقد شكل مؤتمر ألاك سنة 1958 إحدى أهم المحطات المؤسسة للدولة الموريتانية الحديثة، حيث أتاح للنخب السياسية والاجتماعية آنذاك فرصة الالتقاء حول رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، وأسهم في بناء مناخ من التفاهم والتعايش ظل مرجعاً للحياة الوطنية لعقود طويلة.

غير أن المجتمعات الحية لا تتوقف عند لحظة تاريخية معينة، بل تتطور باستمرار، وتفرز مع الزمن معطيات جديدة وتحديات مختلفة. فموريتانيا اليوم ليست هي موريتانيا سنة 1958؛ فقد شهدت تحولات ديموغرافية واجتماعية وثقافية عميقة، وبرزت فئات وفاعلون جدد لم يكونوا ممثلين أو مؤثرين بالقدر الكافي في مرحلة التأسيس الأولى. كما ظهرت قضايا جديدة تتعلق بالمواطنة، والعدالة الاجتماعية، والحكامة، وتمكين الشباب والنساء، وتعزيز الوحدة الوطنية في سياق أكثر تعقيداً وتنوعاً.

من هنا تبرز أهمية إطلاق منتديات تشاورية وطنية واسعة لا تهدف إلى مراجعة التاريخ أو التنكر له، بل إلى البناء عليه وتطويره. فالميثاق الوطني الناجح ليس مجرد وثيقة سياسية، وإنما تعبير عن إرادة جماعية تتجدد كلما استدعت الظروف ذلك. وتوفر المنتديات التشاورية فضاءً للحوار الهادئ والمسؤول بين مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية والثقافية، بما يسمح بتحديد الأولويات الوطنية المشتركة وصياغة رؤية جامعة للمستقبل.

إن الحديث عن ميثاق جديد للمواطنة لا يعني بالضرورة وجود أزمة وطنية، بل قد يكون دليلاً على نضج المجتمع وقدرته على استباق التحديات ومعالجتها بالحوار والتوافق بدل تركها تتفاقم. فالدول القوية هي التي تراجع نفسها دورياً، وتبحث عن آليات لتوسيع دائرة المشاركة وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك.

وفي هذا الإطار يطرح سؤال منطقي نفسه: إذا كانت هناك حاجة إلى مراجعة بعض مقتضيات الدستور لتتلاءم مع متطلبات المرحلة، فلماذا لا يُفتح نقاش وطني أشمل حول مختلف القضايا التي تستدعي التطوير والتحديث؟ فالدستور ليس نصاً منفصلاً عن الواقع الاجتماعي والسياسي، بل هو انعكاس له. ولذلك فإن أي مراجعة دستورية تكون أكثر قوة وشرعية عندما تأتي ضمن حوار وطني واسع يناقش ليس فقط المواد الدستورية، وإنما أيضاً الرؤية العامة للدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي الذي يجمع المواطنين.

إن النقاش حول الدستور والميثاق الوطني ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره صراعاً بين الماضي والحاضر، بل باعتباره فرصة لتعزيز الاستمرارية التاريخية من خلال التكيف مع المستجدات. فالحفاظ على الوحدة الوطنية لا يتحقق بالجمود، كما أن التغيير لا ينجح بالقطيعة، وإنما بالتوازن بين الوفاء للمكتسبات التاريخية والاستجابة لمتطلبات المستقبل.

وعليه، فإن الدعوة إلى منتديات تشاورية لإعداد ميثاق مواطنة جديد ليست دعوة إلى إعادة تأسيس الدولة، بل إلى تجديد التوافق الوطني على أسس أكثر شمولاً وتمثيلاً، بما يضمن مشاركة جميع المكونات الاجتماعية في صياغة مستقبل مشترك يعزز المواطنة المتساوية، ويكرس قيم العدالة والتضامن والوحدة الوطنية.

هذا الطرح يكتسب قوة إضافية إذا قُدِّم بوصفه دعوة للحوار والتطوير المؤسسي، لا باعتباره تشكيكاً في شرعية التوافقات التاريخية التي أسهمت في بناء الدولة الموريتانية.

زر الذهاب إلى الأعلى