*محمد عبد الله ولد بين يتساءل عن الجبهة الداخلية* ؟  *الأزمة الدولية في موريتانيا… أين الجبهة الداخلية؟* 

لم تعد تداعيات الأزمات الدولية حبيسة خرائط الصراع الكبرى، بل أخذت طريقها إلى تفاصيل الحياة اليومية للدول، ومنها موريتانيا. فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وما صاحبها من اضطراب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بدأت انعكاسات هذه التحولات تظهر بوضوح على الاقتصاد الوطني، مهددة توازناته الهشة.

في هذا السياق، تحركت الدولة بخطاب يهدف إلى طمأنة المواطنين، مرفوقًا بدعوات إلى ترشيد الاستهلاك واستباق الأسوأ. وهي خطوة، في منطق إدارة الأزمات، تبدو طبيعية بل وضرورية. غير أن ما أثار الاستغراب هو بروز أصوات من داخل المشهد السياسي، خصوصًا بعض قادة المعارضة والنواب، تذهب إلى اتهام الحكومة بـ”اختلاق الأزمات”، وكأن ما يجري في العالم لا صلة له بالداخل، أو كأن الاقتصاد الوطني معزول عن محيطه الدولي.

بين المزايدة السياسية ومسؤولية اللحظة

إن الاختلاف السياسي حق مشروع، بل هو من صميم الحياة الديمقراطية. لكن تحويل الأزمات الكبرى إلى مادة للمزايدة، دون اعتبار لحساسيتها، يُضعف الجبهة الداخلية ويبعث برسائل سلبية في لحظة تحتاج إلى قدر أعلى من التماسك. كما يقوم بذلك النائب محمد الامين ولد سيد مولود اللذي يحاول تحريك الساحة وتأجيجها تحت عنوان : ان الدولة تصنع الأزمات، وهو عنوان خشن لا يتناسب مع المرحلة.

فالأزمات الدولية لا تُدار بالشعارات، ولا تُواجه بالتشكيك المجرد، بل تتطلب حدًا أدنى من التوافق الوطني حول الأولويات: حماية الاستقرار، وتحصين الاقتصاد، والحفاظ على ثقة المواطن.

الجبهة الداخلية: الغائب الأكبر

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل هناك أزمة؟

بل: أين الجبهة الداخلية في التعامل معها؟

إن الجبهة الداخلية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي منظومة متكاملة من الفاعلين:

الأحزاب السياسية، التي يفترض أن توازن بين دورها الرقابي ومسؤوليتها الوطنية

النخب الفكرية والإعلامية، التي يقع على عاتقها تفسير ما يجري بوعي، لا تأجيجه

المجتمع المدني، الذي يُفترض أن يكون جسر ثقة بين الدولة والمجتمع

وفي غياب هذا التكامل، تتحول الساحة الداخلية إلى فضاء للتشكيك المتبادل، بدل أن تكون خط دفاع موحدًا في مواجهة التحديات.

الحاجة إلى خطاب مسؤول

إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس إجماعًا صوريًا، ولا اصطفافًا أعمى، بل خطابًا مسؤولًا يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة. خطاب يعترف بوجود التحديات، ويختلف حول طرق معالجتها، دون أن ينكرها أو يهوّن من شأنها.

فالوعي بطبيعة المرحلة هو الخطوة الأولى نحو إدارتها بنجاح. أما إنكار الواقع، فلن يؤدي إلا إلى تعميق آثاره.

دعوة إلى توحيد الصف

إن هذه اللحظة، بما تحمله من ضغوط خارجية، تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفاعلين السياسيين وقادة الرأي على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية. وهي مناسبة لإعادة الاعتبار لفكرة الجبهة الداخلية، لا بوصفها أداة تعبئة ظرفية، بل كخيار استراتيجي دائم.

فهل يدرك الجميع أن قوة الدول في زمن الأزمات لا تُقاس فقط بمواردها، بل أيضًا بمدى تماسكها الداخلي؟

وهل يستوعب الفاعلون السياسيون أن الاختلاف، حين يفقد بوصلته الوطنية، يتحول من مصدر غنى إلى عامل إضعاف؟

خاتمة

في عالم مضطرب، لا تملك الدول رفاه الانقسام الداخلي.

وموريتانيا، وهي تواجه تداعيات أزمة عالمية معقدة، أحوج ما تكون إلى جبهة داخلية موحدة، واعية، ومسؤولة.

إنها دعوة صريحة إلى قادة الرأي والسياسيين:

ارتقوا إلى مستوى اللحظة… فالوطن لا يحتمل ترف التجاذب حين تعصف به رياح الأزمات.

زر الذهاب إلى الأعلى