من مؤتمرالعيون إلي واقع العربية اليوم:”بين حسم الدستور وتحديات الممارسة”./ سيدي محمد اخليفة

لسان الضاد يرمق بالعيون
إليك اليوم مؤتمر (العيون)
ففكر في ديون الضاد حلت
أمؤتمر (العيون) في بالديون؟
فطور الشعب كان على منام
تطور بعده طور الجنون
لسان الضادفار غة فؤادا
كفاها من جفا(وي ونون)
بريعان الشباب زهت وتاهت
فهي اليوم يانعة الغصون
فرسمها وإن غضبت(أربا)
وخل النوم ينعم بالجفون
وخل رطانة هرمت وشابت
فهي اليوم موشكة المنون
تشكل هذه الأبيات التي أنشدها العلامة الشاعر الاديب محمدي ولدأحمدفال – رحمه الله – في مؤتمر العيون سنة 1965 وثيقةً أدبيةً ذات دلالة عميقة في سياق الجدل الذي أعقب الاستقلال حول هوية الدولة الموريتانية وخياراتها اللغوية. فقد كان النقاش محتدمًا في ظل قيادة الرئيس المختار ولد داداه بشأن ترسيم اللغة العربية واعتمادها لغةً رسمية تعبّر عن الشخصية الحضارية للبلاد.
جاء خطاب محمدي الشعري في لحظةٍ كانت الأنظار تتجه فيها إلى مؤتمر العيون بوصفه محطةً مفصلية يُنتظر منها حسم مسألة اللغة. لذلك استهل قصيدته بتشخيص بليغ حين جعل “لسان الضاد” كائنًا حيًا يرقب المؤتمر وينتظر قراره، وكأن اللغة نفسها طرفٌ في الحدث، لها حقٌّ في الإنصاف وردّ الاعتبار.
وتبرز في الأبيات نبرة العتاب والمساءلة؛ فالشاعر يذكّر المؤتمر بـ“ديون الضاد”، أي بالالتزام التاريخي والأخلاقي تجاه لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، باعتبارها الوعاء الجامع للهوية الإسلامية لمختلف مكونات الشعب الموريتاني. والاستفهام في قوله: “أمؤتمر (العيون) فبالديون؟” يحمل إنكارًا ضمنيًا لأي تهاون أو تأجيل في هذا الاستحقاق.
كما تتجلى في القصيدة مفارقةٌ واضحة بين العربية بوصفها لغةً “يانعة الغصون” متجددة الحيوية، وبين “الرطانة” التي يصوّرها هرمةً موشكة الزوال. وهذه المقابلة ليست مجرد صورة بلاغية، بل تعبير عن صراع رمزي بين مشروعين ثقافيين: مشروع يستمد شرعيته من التاريخ والدين والانتماء الحضاري، وآخر ارتبط بالإرث الاستعماري وهيمنة الإدارة والتعليم الأجنبيين.
ورغم أن مؤتمر العيون لم يُفضِ إلى قرارٍ حاسم بترسيم اللغة العربية، فإن القصيدة بقيت شاهدًا على حضور النخبة الثقافية في معركة الهوية، وعلى إيمانها بأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل ركيزة سيادة ورمز استقلال. وقد ظل محمدي ثابتًا على موقفه في الدفاع عن العربية، إلى أن جاء قرار سنة 1966 بتدريسها في المرحلة الثانوية، في خطوةٍ عُدّت بداية مسارٍ عملي نحو تعزيز مكانتها في النظام التعليمي.
وهكذا، فإن هذه الأبيات لا تُقرأ باعتبارها نصًا أدبيًا عابرًا ارتبط بحدثٍ سياسي محدد، بل بوصفها شهادةً حيّة على لحظةٍ مفصلية من تاريخ موريتانيا؛ لحظةٍ كان فيها سؤال اللغة هو الوجه الثقافي لسؤال السيادة والهوية. لقد عبّر محمدي – رحمه الله – عن وعيٍ مبكر بأن معركة العربية لم تكن معركة مفرداتٍ وقواعد، بل معركة انتماءٍ وخيار حضاري.
وإذا كانت قضية اللغة قد حُسمت دستوريًا لاحقًا بإقرار العربية لغةً رسمية للدولة، فإن الواقع يكشف أن الصراع لم ينتهِ تمامًا؛ إذ ما تزال آثار التيار الأفرنكفوني ذي النزعة التغريبية حاضرة في مراكز القرار والإدارة والتعليم، بصورةٍ تجعل الفجوة قائمة بين النص الدستوري والممارسة اليومية. وهو ما يطرح سؤال الإرادة السياسية والثقافية في استكمال مسار التحرر اللغوي، بحيث يصبح ترسيم العربية حقيقةً مؤسسيةً كاملة لا مجرد نصٍ قانوني.
ومن هنا تظل قصيدة محمدي حيّة الدلالة، تذكّر الأجيال بأن الدفاع عن اللغة هو دفاع عن السيادة الرمزية للأمة، وأن حسم القضايا في الوثائق لا يغني عن ترسيخها في الوعي والقرار والممارسة.
سيدي محمدولداخليفه