محاربة الفساد خيار استراتيجي: مقاربة اقتصادية-اجتماعية-سياسية./ محمد عبد الله بين .

عندما يوجّه محمد ولد الشيخ الغزواني تعليماته لمفتشية الدولة بالتوجّه إلى قطاعات حسّاسة، فإن ذلك لا يُقرأ باعتباره إجراءً ظرفيًا أو حملة عابرة، بل يندرج ضمن خيار استراتيجي مؤسِّس لمسار الدولة. فمحاربة الفساد ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل هي ركيزة لبناء دولة القانون، وضمان فعالية الاقتصاد، وصيانة العقد الاجتماعي. إن أموال الشعب أمانة عامة، وصونها عن النهب وسوء التسيير شرطٌ لازم لتحقيق العدالة في توزيع الثروة الوطنية وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
*أولًا: متلازمة «لا تنمية ولا نمو مع الفساد»*
تؤكد الأدبيات الاقتصادية الحديثة أن الفساد يشكّل ضريبة خفية على الاستثمار والإنتاج. فهو:
يرفع تكلفة المعاملات عبر الرشوة والوساطة، مما يقلّص تنافسية الاقتصاد.
يُضعف كفاءة الإنفاق العام بتوجيه الموارد نحو مشاريع ذات عائد سياسي لا تنموي.
يُربك مناخ الأعمال ويُفقد المستثمرين الثقة في استقرار القواعد القانونية.
يُعمّق اللامساواة حين تتحول الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الريع لصالح شبكات النفوذ.
لذلك تتلازم التنمية المستدامة مع الحوكمة الرشيدة. فلا يمكن تحقيق نموّ حقيقي في ظل بيئة يُستنزف فيها المال العام، لأن الفساد يضرب في آنٍ واحدٍ الإنتاجية والعدالة والكفاءة. إن التجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي حسمت خيار النزاهة المؤسسية استطاعت أن تنتقل من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة المضافة.
*ثانيًا: وجوب حماية المال العام – مقاربة قانونية ومؤسسية*
المال العام ليس ملكًا للحكومة ولا للنخب الإدارية، بل هو ملكٌ جماعي للأمة. وحمايته تستند إلى ثلاثة أبعاد:
البعد القانوني: تجريم الغلول والاختلاس وتفعيل آليات التفتيش والمساءلة.
البعد المؤسسي: تمكين أجهزة الرقابة وتعزيز استقلاليتها وشفافية تقاريرها.
البعد الثقافي: ترسيخ قيم الأمانة والنزاهة في الوظيفة العمومية.
وفي هذا السياق، يبرز مبدأ جوهري يتمثل في عدم تقادم جرائم الفساد. فالاعتداء على المال العام ليس ضررًا عابرًا ينقضي بمرور الزمن، بل هو انتهاك مستمر لحقوق الجماعة الوطنية. وكل مالٍ مختلس يظل دينًا في ذمة مرتكبه إلى أن يُسترجع ويُحاسَب عليه. إن تكريس عدم التقادم يبعث رسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تنسى حقوق شعبها، وأن المساءلة تبقى قائمة مهما طال الزمن، بما يعزز الردع العام ويكرّس ثقافة أن حماية المال العمومي مسؤولية دائمة لا يطويها النسيان ولا تحميها الوظيفة أو النفوذ.
إن احترام «المال العمومي» ليس مسألة إجرائية فحسب، بل هو تعبير عن احترام سيادة الشعب. فكل أوقية تهدر هي اقتطاع من حق مواطن في التعليم أو الصحة أو البنية التحتية.
*ثالثًا: العدالة في توزيع الثروة الوطنية*
تقوم مسلّمة العدالة على أن الثروة الوطنية ليست حكرًا على فئة، بل هي حقٌّ مشاع يتطلب إدارة رشيدة وتوزيعًا منصفًا. والفساد يقوّض هذه المسلّمة عبر:
تحويل الموارد من الاستثمار الاجتماعي إلى الامتيازات الخاصة.
تكريس التفاوت الطبقي وإضعاف الحركية الاجتماعية.
زعزعة الثقة في الدولة ومؤسساتها.
إن العدالة في توزيع الثروة لا تتحقق فقط بزيادة الموارد، بل بضمان وصولها إلى مستحقيها، بعيدًا عن شبكات المحاباة والزبونية.
*رابعًا: البعد الأخلاقي والديني – خطورة الغلول وحرمته*
في الثقافة الإسلامية، يُعدّ الغلول (أخذ شيء من المال العام خفية) جريمة أخلاقية وشرعية قبل أن تكون مخالفة قانونية. يقول تعالى:
﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: 161).
تحمل هذه الآية بعدًا ردعيًا عميقًا؛ إذ تربط بين الفعل الدنيوي والمسؤولية الأخروية، وتؤكد أن الاعتداء على المال العام ليس مجرد خطأ إداري بل خيانة للأمانة الجماعية.
إن استحضار هذا المعنى يرسّخ في الوعي الجمعي أن النزاهة ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل التزامًا أخلاقيًا ودينيًا.
إن محاربة الفساد ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية للدولة الحديثة. فلا تنمية مع الفساد، ولا نموّ مع سوء التسيير، ولا استقرار دون عدالة في توزيع الثروة. وحماية المال العام واجب قانوني وأخلاقي وديني، يترجم حقيقة أن السلطة تكليف لا تشريف.
ومن خلال ترسيخ مبدأ عدم التقادم، وتعزيز الشفافية والمساءلة، يتأكد أن الخيار الاستراتيجي لمحاربة الفساد هو في جوهره خيارٌ لبناء دولة المواطنة، حيث تُصان الحقوق وتُدار الثروات لصالح الجميع، حاضرًا ومستقبلًا.