*الحوار الوطني بين الشمولية والوصاية السياسية/ سيدي محمد ولد لخليفة

طالعت مقالا يقدّم من خلاله محمد الكبير السيد دفاعاً عن مسار الأستاذ لو غورمو عبدول، ويستحضر تجربة الحركة الوطنية الديمقراطية بوصفها إطاراً سياسيا تجاوز الاستقطاب القومي والعرقي. غير أن القراءة النقدية لهذا الطرح تقتضي التمييز بين الخطاب المعلن والممارسة السياسية الفعلية، وبين الدعوة إلى الوحدة وبين احتكار تعريفها.
فالمقال، وإن انطلق من نفي “الخصوصية” عن شخصية سياسية بعينها، إلا أنه بدا في بعض مفاصله وكأنه يمنح تياراً سياسياً محدداً حق الوصاية على تعريف المظلومية الوطنية وتحديد أولوياتها. ومن غير المنطقي – ولا المقبول سياسياً ولا وطنياً – أن تتصرف مجموعة سياسية واحدة وكأنها الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد نوعية المظالم، وحصر مجال الحوار في قضايا بعينها، أو تقديم نفسها باعتبارها المرجعية الأولى والأخيرة في تحديد مواضيع الحوار ومعاني تلك المواضيع وتنصب نفسها شرطيا شرسا يحاصر كل طرح لا ينسجم مع رايها .
يطرح هذا السلوك غير المنطقي تساؤلا مشروعا عن جهة مبادرة الحوار ، هل الحوار الذي نتحدث عنه هو الحوار الذي دعا له فخامة رئيس الجمهورية والذي اعلن انه لا يستثني موضوعا ولا يقصي احدا ام اصبح حوار حركة سياسية بعينها تحدد مواضيعه ومفاهيمه ؟
إن الحوار الوطني، بطبيعته، لا يُختزل في رؤية أحادية، ولا يُدار على أساس سردية واحدة، ولا يُحصر في بعد قومي دون غيره. فاختزال بعض الملفات في إطار محدد، أو الإيحاء بأن هناك مظالم “مشروعة” للطرح وأخرى من “المحظورات”، يخلق شعوراً بالإقصاء ويعيد إنتاج منطق الانتقائية الذي يفترض أن الحوار جاء لتجاوزه.
فما تعرض له موريتانيون آخرون – من مختلف الانتماءات – من قتل أو فصل أو تعذيب أو تشريد، لا يمكن أن يُعتبر موضوعاً ثانوياً أو ملفاً غير قابل للنقاش. العدالة لا تتجزأ، والإنصاف لا يُبنى على معيار الهوية. وإذا كان من المشروع المطالبة بحل نهائي لملف “الإرث الإنساني”، فمن المشروع كذلك أن يُفتح النقاش حول كل المظالم الوطنية دون انتقاء أو تصنيف.
كما أن الإيحاء بأن مسار الحوار محسوم سلفاً بسبب وجود شخصيات قد تُحسب على توجه سياسي معين داخل آلياته، يتناقض مع التصريحات الرسمية التي أكدت أن الحوار مفتوح أمام الجميع، وأن كل المظالم – أياً كان نوعها أو أصحابها – قابلة للطرح في إطار وطني جامع. وهو الأساس الذي تبنته مختلف القوى الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن نجاح الحوار مرهون بشموليته لا بانتقائيته.
أما في ما يتعلق بمسألة اللغات، فإن النص الدستوري واضح في تثبيت العربية لغة رسمية، مع الاعتراف باللغات الوطنية والعمل على ترقيتها. والإجماع الوطني قائم على هذا التوازن، والإشكال لا ينبغي أن يتحول إلى عنوان صراع سياسي جديد، بل إلى ورشة إصلاح تربوي وثقافي متكامل يخدم جميع الموريتانيين دون توظيف أيديولوجي.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الدفاع عن هذا الشخص أو ذاك، ولا في إعادة تدوير سرديات الصراع، بل في تثبيت عقد وطني جامع يعترف بكل الآلام، ويعالج كل المظالم، ويؤكد أن موريتانيا دولة لجميع أبنائها دون استثناء. فالوحدة الوطنية لا تُصان بالشعارات، بل تُبنى بسياسات عادلة، ومؤسسات منصفة، وحوار مفتوح لا يحتكره أحد ولا يُقصى منه أحد.
*سيدي محمدولداخليفه*