محمد عبد الله ولد بين؛ يكتب :”العدالة بلا منّة: في دلالات خطاب الرئيس أمام مجتمع التآزر”

يمثل الخطاب الذي ألقاه فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني أمام مجتمع مؤسسة التآزر، في حفل الإفطار الجماعي، لحظة سياسية واجتماعية ذات دلالة عميقة، تتجاوز بعدها الرمزي إلى تأسيس رؤية متكاملة للعدالة الاجتماعية بوصفها خياراً استراتيجياً للدولة، لا مبادرة ظرفية ولا إحساناً موسمياً.

*أولاً: من منطق الإحسان إلى منطق الحق*

أعاد الرئيس في خطابه تعريف فلسفة “التآزر” من كونها عملاً خيرياً أو منّة سياسية، إلى كونها أداة لإنفاذ حق دستوري أصيل، هو حق المساواة في المواطنة والفرص والولوج إلى الخدمات العامة. هذا التحول المفاهيمي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل النقاش من دائرة “العطاء” إلى دائرة “الاستحقاق”، ومن منطق الرعاية إلى منطق التمكين.

فالقول بأن التآزر ليس إحساناً ولا منّة، بل هو تجسيد لحق المواطنة، يؤسس لقاعدة أخلاقية وسياسية جديدة في العلاقة بين الدولة والفئات الهشة: علاقة قائمة على الإنصاف، لا على الاستعطاف؛ وعلى العدالة، لا على التفضّل.

*ثانياً: الأرقام كترجمة سياسية للالتزام*

حين يشير الخطاب إلى أن استثمارات الدولة في التآزر منذ 2020 وحتى نهاية 2025 تجاوزت 299 مليار أوقية، فإننا لسنا أمام رقم مالي مجرد، بل أمام مؤشر على أولوية سياسية واضحة. فالأولويات تُقاس بحجم الموارد المخصصة لها، وباستمراريتها عبر الزمن.

لقد تجسدت هذه الاستثمارات في:

تشييد مئات المؤسسات التعليمية والصحية؛

تعميم التأمين الصحي على أكثر من 103 آلاف أسرة متعففة؛

إنشاء مئات البنى المائية وربط قرى عديدة بالكهرباء؛

تمويل آلاف الأنشطة الإنتاجية لصالح الفئات الهشة.

وهنا يظهر البعد التنموي المتكامل لسياسة التآزر: فهي لا تقتصر على التحويلات الاجتماعية، بل تجمع بين البنية التحتية والخدمات الأساسية والتمكين الاقتصادي، بما يخرج المستفيد من دائرة الحاجة إلى دائرة الفاعلية.

*ثالثاً: الانحياز الاجتماعي كخيار استراتيجي*

أكد الرئيس أن الانحياز للطبقات الهشة ليس موقفاً تكتيكياً، بل “خيار استراتيجي”. وهذا التوصيف يعكس رؤية سياسية ترى أن الاستقرار الوطني والوحدة الاجتماعية لا يتحققان إلا عبر تقليص الفوارق ومحاربة الغبن والهشاشة.

إن العدالة الاجتماعية، في هذا السياق، ليست شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ركيزة للأمن الاجتماعي والسلم الأهلي. وكل مشروع إصلاحي لا يلامس معاناة الفئات المتعففة يبقى منقوص الأثر ومحدود الشرعية الشعبية.

*رابعاً: انسجام الرؤية الرئاسية مع الأداء الحكومي*

لا يمكن قراءة خطاب الرئيس بمعزل عن برنامج الحكومة بقيادة *الوزير الأول المختار ولد اجاي،* الذي يتولى تنسيق وتنفيذ السياسات العمومية، وفي مقدمتها البرامج الاجتماعية. فالتآزر، بوصفه أداة تنفيذية، يندرج ضمن رؤية حكومية أوسع تستهدف:

إصلاح المنظومة الخدمية؛

توسيع الولوج إلى التعليم والصحة؛

تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية؛

ومحاربة الاختلالات البنيوية التي كرست التفاوت لعقود.

إن هذا الانسجام بين الرؤية الرئاسية والآلية الحكومية يعكس وحدة في التصور والإرادة، ويؤكد أن التعهدات الانتخابية لم تبق حبراً على ورق، بل تحولت إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.

*خامساً: البعد المؤسسي ونزاهة التنفيذ*

في سياق الحديث عن التآزر، يبرز دور القائمين على تصور وتنفيذ ومتابعة البرامج، وفي مقدمتهم السيد سيدي ولد ملاي الزين، الذي يُشهد له بنظافة اليد والانضباط المؤسسي في إدارة الموارد العمومية.

إن نزاهة القائم على التنفيذ شرط أساسي لنجاح أي سياسة اجتماعية؛ لأن البرامج الموجهة للفئات الهشة تكون أكثر عرضة للاستغلال السياسي أو الزبونية إن لم تُحصَّن بالشفافية والرقابة. ومن هنا فإن التأكيد على نظافة اليد ليس مجاملة شخصية، بل تأكيد على عنصر حاسم في مصداقية المشروع.

*سادساً: بين الرمز والواقع*

جاء الخطاب في سياق إفطار جماعي، وهو سياق رمزي يعبّر عن القرب من الفئات المستهدفة، لكنه لم يكتفِ بالرمزية، بل قدم حصيلة رقمية واضحة، وتوجهاً استراتيجياً معلناً. فالجمع بين البعد الرمزي والبعد التنفيذي يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

نحو دولة إنصاف بلا منّة

إن جوهر الرسالة الرئاسية يتمثل في أن الوطن لا يُنصف أبناءه بالخطابات، بل بالسياسات؛ ولا بالوعود، بل بتخصيص الموارد وضمان النزاهة في التنفيذ. والتآزر، وفق هذا المنظور، ليس مؤسسة إحسانية، بل تجسيد عملي لفكرة الدولة الاجتماعية التي تلتزم بترقية مواطنيها المغبونين إلى مستوى من الكرامة يكفل لهم شعوراً كاملاً بالمواطنة.

وعليه، فإن خطاب الرئيس ليس إعلان نوايا، بل تأكيد مسار: مسار انحياز صريح للفئات الفقيرة المتعففة، ووفاء بالتعهدات، وطموح لبناء وطن تُمارس فيه العدالة الاجتماعية بلا منّة ولا أذى، في إطار رؤية تقودها رئاسة الجمهورية وتنفذها حكومة منسجمة، وتدير برامجها مؤسسات يحكمها الانضباط ونظافة اليد.

وهو مسار، إن استمر بذات الإرادة والشفافية، مرشح لأن يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الحقوق لا الهبات، وعلى قاعدة الإنصاف لا الامتنان.

زر الذهاب إلى الأعلى