محمد عبد الله ولد بين في :قراءة تحليلية في اكتتاب الثلاثة آلاف موظف:/دلالات الكمّ وأبعاد الكيف*

أعلنت وزيرة الوظيفة العمومية والعمل، مريم بيجل هميد، عن توزيع ثلاثة آلاف مقعد لاكتتاب موظفين عموميين على مختلف القطاعات الحكومية، وفق حاجيات كل وزارة. ويأتي هذا القرار في سياق برنامج الإصلاح الإداري الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وتنفذه حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي، ضمن رؤية تستهدف تحديث الإدارة وتمكين الشباب وتعزيز فعالية المرفق العمومي.
*أولًا: دلالة الكمّ — استجابة لحاجات قطاعية دقيقة*
يكشف توزيع المقاعد عن مقاربة مبنية على معيار الحاجات الوظيفية لا الاعتبارات الرمزية. فتصدّر وزارة الصحة بعدد 1190 مقعدًا يعكس أولوية الاستثمار في الرأسمال البشري الصحي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتوسيع التغطية الصحية وتحسين جودة الخدمات. كما يشير منح قطاعات المالية، والعمل الاجتماعي، والبيئة، والتحول الرقمي، والتعليم العالي حصصًا معتبرة إلى وعي بأهمية التكامل بين الإصلاح المالي والاجتماعي والرقمي.
هذا التوزيع المتوازن — الذي شمل حتى قطاعات ذات طابع سيادي كوزارة العدل والداخلية، وأخرى إنتاجية كالزراعة والصيد والطاقة — يؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الاكتتاب باعتباره إجراءً ظرفيًا، بل أداة لإعادة هيكلة الموارد البشرية على نحو شامل.
*ثانيًا: دلالة الكيف — نحو إدارة عصرية بكفاءات شابة*
لا تكمن أهمية القرار في عدده فحسب، بل في طبيعته النوعية. فإدماج كفاءات شابة في مفاصل الإدارة العمومية يحقق ثلاثة أهداف استراتيجية:
تجديد الدم الإداري عبر إدخال مهارات حديثة، خصوصًا في مجالات الرقمنة والتحول المؤسسي.
تحسين جودة الخدمات العمومية من خلال تقليص الضغط على الموظفين وتعزيز التخصصية.
إرساء ثقافة الأداء والمساءلة التي تتطلب موارد بشرية مؤهلة وقادرة على التفاعل مع الإصلاحات.
كما أن تخصيص جزء من المقاعد لعمال الدعم (حراس، سائقين…) يعكس إدراكًا لأهمية تكامل السلم الوظيفي، إذ لا يمكن لأي إصلاح إداري أن ينجح دون معالجة الاختلالات في الفئات المساندة.
*ثالثًا: الأثر السياسي والاجتماعي* — تمكين الشباب والحد من البطالة
يمثل هذا الاكتتاب رسالة سياسية واجتماعية مزدوجة:
*سياسيًا: يعزز الثقة في التوجه الحكومي نحو دولة الكفاءة،* ويكرس مبدأ التوزيع العادل للفرص وفق الاحتياجات.
اجتماعيًا: يبعث الأمل في أوساط الشباب، باعتبار الوظيفة العمومية ما تزال أحد أهم منافذ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في السياق الوطني.
فتمكين الشباب من ولوج سوق العمل النظامي يسهم في:
خفض معدلات البطالة،
تقوية الطبقة الوسطى،
تقليص الهشاشة الاجتماعية،
وتعزيز الانتماء الوطني عبر إشراك الطاقات الجديدة في البناء المؤسسي.
*رابعًا: بين التحدي والرهان*
رغم الإيجابيات، يظل نجاح هذه العملية رهينًا بعدة شروط:
شفافية المسابقات وعدالتها،
ربط التوظيف بخطط تكوين مستمرة،
إدماج الموظفين الجدد في منظومة تقييم أداء فعالة،
وضمان توزيع جغرافي عادل للخدمات.
فالتحول الحقيقي لا يتحقق بمجرد الاكتتاب، بل بمدى قدرة الإدارة على استيعاب الطاقات الجديدة وتوجيهها نحو تحقيق نتائج ملموسة.
إن اكتتاب ثلاثة آلاف موظف عمومي يمثل خطوة وازنة في مسار تحديث الدولة، من حيث الكمّ الذي يعكس استجابة لحاجات قطاعية واسعة، ومن حيث الكيف الذي يؤشر إلى وعي بأهمية الكفاءة والتجديد. وهو بذلك ليس مجرد إجراء إداري، بل خيار سياسي وتنموي يعكس إرادة في تمكين الشباب، وتعزيز المرفق العمومي، والمضي نحو إدارة أكثر فاعلية وعدالة.
وإذا ما اقترن هذا الجهد بالشفافية والتأهيل المستمر، فإنه قد يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار إصلاح الوظيفة العمومية، وبداية مرحلة قوامها الكفاءة والاستحقاق وخدمة المواطن.