*محمد عبد الله ولد بين يكتب في: ( الحلقة الخامسة )* *روّاد الضجّة المفتعلة حول الضرائب… هل أنتم منتهون؟*

في كل مرة يُطرح فيها إصلاح مالي أو إجراء ضريبي، ينبري بعضهم لإشعال موجة صاخبة من الاعتراض، لا على أساس أرقامٍ مدقَّقة أو بدائل مدروسة، بل على إيقاع الإثارة السريعة والشعار الجاهز واللغة المشحونة.
فهل نحن أمام نقاشٍ اقتصاديٍّ جاد، أم أمام استثمارٍ سياسيٍّ في حساسية موضوع الضرائب؟
بين الضريبة والواجب المدني
الضريبة ليست عقوبة، ولا قرارًا اعتباطيًا. إنها الأداة التي تموَّل بها الدولة الحديثة خدماتها الأساسية:
رواتب الأطباء والمعلمين، تجهيز المستشفيات، صيانة الطرق، دعم الأمن، وتمويل التعليم.
ومن دون نظام ضريبي مستقر، لا يمكن الحديث عن مؤسسات قوية أو خدمات مستدامة.
إن العلاقة بين الدولة والمواطن ليست علاقة خصومة، بل عقدٌ اجتماعيٌّ متوازن:
حقوقٌ تقابلها واجبات، وخدماتٌ تقابلها مساهمة.
البعد الاقتصادي: قراءة خارج الانفعال
أي ضريبة تمسّ المستهلك تستحق النقاش، خصوصًا في سياقات اقتصادية حساسة. لكن النقاش الجاد يبدأ بأسئلة موضوعية:
ما نسبة الضريبة مقارنة بالدخل؟
ما أثرها الحقيقي على الأسعار؟
كيف ستُستخدم عائداتها؟
هل ترافقها إجراءات اجتماعية تحمي الفئات الهشة؟ كما هو الحال في التحويلات النقدية للتآزر وغير ذلك من البرامج الاجتماعية التي تشكل ركنا أساسيا في برنامج حكومة معالي الوزير الأول…!
أما الاكتفاء بتأجيج الرأي العام دون تحليل مالي دقيق، فهو تبسيط يختزل قضية معقدة في شعارات سريعة.
السياسة المالية لا تُدار بردّات الفعل، بل بحسابات التوازن بين الإيرادات والإنفاق، وبين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.
بين الإصلاح والشعبوية
الاعتراض حق مشروع، بل ضرورة ديمقراطية. لكن هناك فرقًا بين نقدٍ يسعى لتحسين النظام الضريبي، ونقدٍ يُغذّي خطابًا شعبويًا يصوّر كل ضريبة كأنها استهداف مباشر للمواطن.
إذا كانت هناك اختلالات، فلتُطرح بالأرقام.
وإذا كانت هناك بدائل، فلتُعرض بوضوح.
أما تحويل كل قرار مالي إلى معركة تعبئة، فهو إضعاف لثقافة النقاش الرصين، لا تعزيز لها.
المسؤولية الأخلاقية في الخطاب العام
الضرائب ليست مجرد أرقام في ميزانية؛ إنها تعبير عن التضامن الاجتماعي.
التهرب الضريبي خلل أخلاقي قبل أن يكون مخالفة قانونية، كما أن شيطنة كل سياسة مالية دون تمحيص تضعف الثقة العامة، وتزرع الشك بدل الوعي.
إن أخلاق السياسة تقتضي الصدق في الطرح، والإنصاف في التقييم، والابتعاد عن الإثارة التي قد تكسب لحظة، لكنها تخسر الثقة على المدى الطويل.
إن النقاش حول الضرائب ينبغي أن يبقى في دائرة العقل والمسؤولية، لا في دائرة المزايدات والانفعال. فالإصلاح المالي يحتاج إلى رؤية شاملة توازن بين حماية القدرة الشرائية وضمان قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
نرحّب بالنقد المسؤول، ونفتح الباب لحوارٍ مؤسس على الأرقام والبدائل.
أما الضجيج غير المؤسس فلن يصنع سياسة، ولن يبني دولة.
وإن عدتم عدنا… لا ضجيجًا بضجيج، بل حجةً بحجة، وبيانًا ببيان، دفاعًا عن منطق الدولة، وعدالة التوزيع، وأخلاق المسؤولية العامة.