“أمبود محطة القضاء على الفوارق” /قراءة في خطاب الإنصاف والعدالة الاجتماعية/محمد عبد الله بين

تشكل زيارة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى مقاطعة أمبود لحظة سياسية واجتماعية ذات دلالات عميقة، تتجاوز بعدها البروتوكولي إلى أفق رمزي يرتبط بخطاب الإنصاف والعدالة ومحاربة الفوارق. فالرسائل التي تضمنها اللقاء مع أطر المقاطعة لم تكن مجرد عرض لإنجازات حكومية، بل جاءت في سياق تأكيد رؤية تقوم على إعادة التوازن التنموي، وتصحيح الاختلالات الاجتماعية التي ظلت تؤرق الدولة والمجتمع لعقود.

*أولاً: الاعتراف بالفوارق مدخلٌ للعدالة*

من أبرز ما ميّز الخطاب الرئاسي هو الاعتراف الصريح بوجود فوارق اجتماعية وشرائح ما تزال تعيش على هامش التنمية. هذا الاعتراف لا يمثل إقراراً بواقع قائم فحسب، بل يعكس توجهاً سياسياً يعتبر أن العدالة تبدأ بتشخيص الخلل دون تجميل أو إنكار. فالحديث عن أن ما تحقق “غير كافٍ ولا يرقى إلى مستوى الطموحات” يؤسس لمنهج يقوم على التقييم المستمر، لا الاكتفاء بالإنجازات.

إن الاعتراف بوجود فئات تعاني أوضاعاً صعبة في ظل تفاوت مع الطبقة المتوسطة يشير إلى انتقال الخطاب من لغة النمو العام إلى لغة العدالة التوزيعية، حيث يصبح السؤال المركزي: من استفاد؟ ومن بقي خارج دائرة الاستفادة؟

*ثانياً: منطق الإنصاف بدل منطق المركزية*

إبراز أمبود، بوصفها مقاطعة عانت من تأخر تنموي، يعكس إرادة لتجاوز منطق التنمية المتمركزة في الحواضر الكبرى. فالتركيز على المناطق التي عرفت تهميشاً تاريخياً يعكس سعياً لإعادة رسم الخريطة التنموية على أسس أكثر إنصافاً.

حين يتم التأكيد على تخصيص موارد معتبرة للتدخلات الاجتماعية، فإن الرسالة تتجه نحو تكريس دور الدولة كفاعل ضامن للحد الأدنى من العدالة، لا مجرد منظم للسوق. فالخدمات الأساسية – من تعليم وصحة وبنى تحتية – ليست امتيازاً، بل حقاً مواطنياً.

*ثالثاً: العدالة كشراكة لا كإعانة دائمة*

مع تأكيده على استمرار الدعم الحكومي، شدد الرئيس في الوقت ذاته على أهمية الجهد الفردي وروح المبادرة. هذه الثنائية تعكس تصوراً متوازناً للعدالة: دولة توفر الإطار والفرص، ومواطن يتحمل مسؤولية استثمارها.

فالعدالة هنا لا تُختزل في تحويلات اجتماعية، بل تُفهم كتمكين اقتصادي واجتماعي يتيح للفرد الخروج من دائرة الاعتماد إلى دائرة الإنتاج. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في قطاعات الزراعة والتنمية الحيوانية والمعادن في أمبود مدخلاً لتحويل المقاطعة من منطقة دعم اجتماعي إلى قطب إنتاجي.

*رابعاً:* *المدرسة الجمهورية كرافعة للمساواة*

اختيار أمبود نقطة انطلاق لمشروع “المدرسة الجمهورية” يحمل بعداً رمزياً قوياً. فالتعليم هو الأداة الأكثر فعالية لتفكيك الفوارق البنيوية بين الأفراد والمناطق. حين تتكافأ فرص التعليم، تتقلص الفجوة بين أبناء الفئات المختلفة، وتُبنى عدالة مستدامة لا ظرفية.

الدعوة إلى صيانة المؤسسات التعليمية والمحافظة عليها تعكس وعياً بأن العدالة لا تُفرض بقرارات مركزية فقط، بل تتطلب انخراط المجتمع المحلي في حماية مكتسباته.

*خامساً:* أمبود كنموذج وطني

الخطاب، في مجمله، لا يخص أمبود وحدها، بل يجعل منها نموذجاً مصغراً للتحدي الوطني الأكبر: كيف يمكن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية دون الإخلال بديناميكية النمو؟

إن تحويل أمبود إلى “محطة للقضاء على الفوارق” يعني اختبار قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق المعالجة الجزئية إلى منطق التحول الهيكلي، حيث تصبح التنمية شاملة، وموزعة جغرافياً واجتماعياً بعدالة.

تكشف مضامين الزيارة أن الإنصاف والعدالة لم يعودا مجرد شعارات سياسية، بل أصبحا محوراً مركزياً في الخطاب الرسمي. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في استدامة هذا التوجه، وترجمته إلى نتائج ملموسة تقلص فعلياً الفجوة بين الفئات والمناطق.

أمبود اليوم ليست مجرد محطة زيارة رئاسية، بل فضاءً رمزياً لمعركة أوسع ضد التهميش والإقصاء. فإذا نجحت التجربة في تحقيق تحول ملموس، فإنها ستشكل خطوة نوعية نحو بناء دولة أكثر توازناً، يكون فيها القضاء على الفوارق هدفاً واقعياً لا مجرد أفق نظري.

زر الذهاب إلى الأعلى