محمد عبد الله ولد بين يكتب :نداء كيهيدي: رسالة سياسية استباقية لتحصين موريتانيا من الانزلاق

في لحظة إقليمية ودولية تتسم باضطراب غير مسبوق، جاء نداء رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني من مدينة كيهيدي موجّهًا إلى النخب الوطنية في الداخل والخارج، ليحمل أكثر من دلالة سياسية ورسالة استراتيجية تتجاوز إطار الخطاب الظرفي إلى رؤية استباقية تهدف إلى تحصين البلاد من سيناريوهات عانت منها دول أخرى في محيطنا القريب والبعيد.
الرئيس، وهو يخاطب النخب، لم ينطلق من منطق التخويف أو التهويل، بل تعمّد التأكيد على الثقة في صلابة الدولة الموريتانية ووحدة شعبها بقوله: «نحن وأنتم لا نخاف على بلدنا». غير أن هذه الثقة لم تمنعه من التحذير الصريح من الأدوار السلبية التي قد تلعبها بعض الخطابات أو الممارسات السياسية والإعلامية، والتي قد تفتح، ولو دون قصد، أبواب الفتنة والانقسام.
النخب بين المسؤولية التاريخية والانزلاق الخطابي
يحمّل هذا النداء النخب الوطنية مسؤولية مضاعفة، باعتبارها صانعة للرأي ومؤثرة في المزاج العام. فالرئيس لا يتهم، لكنه “يربأ” بالنخب عن التعايش مع ممارسات ومواقف تهدد السلم الاجتماعي، في إشارة ذكية إلى أن الخطر لا يأتي دائمًا من الشارع، بل قد يبدأ من خطاب نخبوي غير مسؤول، أو من تبرير الاستقطاب، أو من تغذية الانقسامات الهوياتية والسياسية.
وهنا تكمن أهمية الخطاب: فهو لا يستهدف المعارضة ولا الموالاة بقدر ما يخاطب الضمير الوطني الجامع، داعيًا إلى السمو فوق الحسابات الضيقة، وإلى إدراك أن التجارب الإقليمية أثبتت أن انهيار الدول يبدأ غالبًا من تفكك النخب قبل تفكك المؤسسات.
موريتانيا للجميع… تثبيت لمفهوم الدولة الجامعة
تأكيد الرئيس في ختام ندائه أن «موريتانيا للجميع وتسع الجميع» ليس مجرد شعار، بل هو إعادة تثبيت لمفهوم الدولة الجامعة التي لا تقصي أحدًا على أساس سياسي أو اجتماعي أو جهوي. وهو أيضًا رد غير مباشر على خطابات الإقصاء والتشكيك التي قد تظهر في فترات التوتر السياسي أو الاستحقاقات الانتخابية.
هذا الطرح يعكس وعيًا رسميًا بأن الحفاظ على الاستقرار لا يتحقق فقط عبر الأدوات الأمنية أو القانونية، بل عبر خطاب جامع، وممارسة سياسية مسؤولة، وإشراك حقيقي لكل الفاعلين في الشأن العام.
قراءة في التوقيت والدلالة
يكتسب نداء كيهيدي أهميته أيضًا من توقيته، في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وتنامي خطابات الاستقطاب في الفضاءات الرقمية، واتساع تأثير الجاليات والنخب في الخارج على النقاش الوطني. ومن هنا، فإن توجيه الخطاب إلى الداخل والخارج معًا يعكس إدراكًا بأن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي، وليست فقط معركة سياسات.
يمكن القول إن نداء رئيس الجمهورية من كيهيدي هو رسالة سياسية هادئة في نبرتها، عميقة في مضامينها، تستبق الأخطار بدل انتظار وقوعها، وتضع النخب الوطنية أمام مسؤولياتها التاريخية في حماية السلم الأهلي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ دولة المواطنة.
إنه نداء لا يخاطب الخوف، بل يخاطب الضمير، ولا يستند إلى منطق الأزمة، بل إلى منطق الوقاية، وهي مقاربة باتت ضرورة في عالم يمتلئ بدروس الانهيار أكثر مما يمتلئ بنماذج الاستقرار.