الناصرية في موريتانيا: من وهج النضال إلى انحسار الحضور :”خصوصية التجربة الموريتانية”

لم تكن الناصرية في موريتانيا مجرد صدى لتجربة عربية خارجية، بل تشكّلت بوصفها تيارًا وطنيًا نضاليًا تفاعل بعمق مع إشكالات الدولة والمجتمع بعد الاستقلال. فقد وجدت هذه الفكرة، بما تحمله من بعد قومي واجتماعي، تربة خصبة في بلد كان يعاني من اختلالات بنيوية: هيمنة الحكم العسكري، ضعف العدالة الاجتماعية، وتهميش اللغة والهوية في الفضاء العمومي.
ومن هنا، ارتبطت الناصرية في الوعي السياسي الموريتاني بالموقف قبل الشعار، وبالنضال قبل التنظيم.
*الناصرية في الثمانينيات: معركة التعريب والعدالة الاجتماعية.
بلغ الحضور الناصري في موريتانيا ذروته خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث لعب أطره وناشطوه دورًا محوريًا في:
1. النضال من أجل التعريب
لم يكن التعريب مطلبًا ثقافيًا معزولًا، بل كان خيارًا سياديًا يهدف إلى:
تحرير الإدارة والتعليم من التبعية اللغوية،
ترسيخ الهوية الوطنية،
توسيع قاعدة الولوج إلى الوظيفة العمومية أمام أبناء الطبقات الشعبية.
وقد دفع الناصريون ثمن هذا الموقف اعتقالًا وتضييقًا وإقصاءً، في سياق كانت فيه الدولة تنظر إلى التعريب بوصفه تهديدًا لتوازنات قائمة تخدم نخبة محدودة.
2. مواجهة التحالف بين الحكم العسكري وأرباب العمل
انخرط التيار الناصري بوضوح في الدفاع عن الطبقة الكادحة، ووقف ضد التحالف غير المعلن بين السلطة العسكرية ورأس المال، وهو تحالف أدى إلى:
إضعاف النقابات،
تهميش العمال،
تكريس اقتصاد ريعي يخدم فئات محددة على حساب الأغلبية.
وفي هذا السياق، تميز الخطاب الناصري بوضوحه الاجتماعي، وبربطه بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، في وقت كان فيه هذا الربط نادرًا في الخطاب السياسي السائد.
*نظافة اليد: رأسمال أخلاقي لا يمكن إنكاره*
من الإنصاف التاريخي الإقرار بأن الأطر الناصرية التي تولت مسؤوليات في تسيير الشأن العام عُرفت، في مجملها، بـ:
نظافة اليد،
الزهد النسبي في الامتيازات،
التعامل مع الوظيفة العمومية كتكليف لا كغنيمة.
وقد شكّل هذا السلوك رصيدًا أخلاقيًا مهمًا، خاصة في بيئة سياسية طغت عليها لاحقًا ممارسات الإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ. غير أن هذا الرأسمال الأخلاقي، رغم أهميته، لم يتحول إلى مشروع مؤسسي متجدد قادر على استيعاب الأجيال الجديدة.
*من الحضور إلى الانحسار: أين الخلل؟*
رغم هذا التاريخ النضالي، تشهد الناصرية اليوم في موريتانيا انحسارًا واضحًا، يتمثل أساسًا في:
1. انحصارها في جيل واحد
أغلب الحاملين للخطاب الناصري اليوم هم من جيل الثمانينيات وما قبلها، وهو ما جعل التيار يبدو، في نظر الشباب، ذاكرة نضالية أكثر منه مشروعًا مستقبليًا.
*2. ضعف الامتداد الشبابي*
هناك عقم حقيقي في تجديد الخطاب والآليات:
لغة سياسية تقليدية،
غياب أدوات تواصل حديثة،
ضعف حضور القضايا الجديدة التي تشغل الشباب (الفرص الاقتصادية، الهجرة، التكنولوجيا، الحريات الفردية).
*3. التحول من النقد البنّاء إلى الحنين*
في كثير من الأحيان، يتحول استحضار الماضي النضالي إلى خطاب نوستالجي، يركّز على ما كان، دون تقديم إجابات عملية عمّا يجب أن يكون.
*هل انتهت الناصرية في موريتانيا؟*
القول بأن الناصرية لم تعد موجودة صحيح جزئيًا إذا قصدنا بها:
التنظيم،
التأثير الجماهيري،
الحضور الفاعل في معادلة القرار.
لكنها لم تختفِ كليًا بوصفها:
مرجعية فكرية،
تجربة نضالية نظيفة،
لحظة وعي اجتماعي وسياسي ربطت بين الهوية والعدالة.
غير أن الأفكار، مهما كان تاريخها مشرّفا، تموت إذا لم تتجدد، وتتحول إلى مجرد رصيد أخلاقي إذا لم تتحول إلى مشروع سياسي معاصر.
لقد كانت الناصرية في موريتانيا مدرسة نضال في زمن صعب، ورافعة لمطالب عادلة في التعريب والإنصاف الاجتماعي، وحاملًا لقيم نظافة اليد والاستقامة. لكن الاكتفاء بهذا الإرث دون إعادة صياغته في ضوء تحولات المجتمع جعلها تنحسر في دائرة ضيقة، يغلب عليها عامل السن وذاكرة الصراع.
إن التحدي الحقيقي ليس في الدفاع عن الماضي، بل في تحويله إلى أفق جديد. وبدون ذلك، ستظل الناصرية حاضرة في الذاكرة… غائبة عن الواقع.