لو زرتهم …وحدك …أيها الرئيس …!!/ أحمد ولد إسلم

(1)
لا شك أن جدول أعمالك اليومي مشحون حد الكفاية، ومن الصعوبة أن تجد وقتا للاطلاع على أحوال الناس، لكن لو سنحت لك يوما فرصة، تناسيت فيها كل ما يحيط بك، وانسللت خلسة بين حرسك وخدمك، جرب أن ترتدي دراعة عادية وأن تعتمر عمامة ، واقصد خفية محطة “توجنين”، ستكون سادس خمسة يزدحمون في هيكل متهالك لشيء صنع ذات يوم في ألمانيا – ربما قبل دخولك الجيش – على أنه سيارة.. لن تدفع أكثر من تسعة آلاف أوقية(2)فلا متاع لديك.
ستنام نصف الطريق، ثم ستنغض عليك الحفر والتشققات متعة سفرك، حين تغادر مدينة كيفة متجها شرقا، وربما تكون محظوظا إن مررت بالطينطان ليلا فلا تسوءك مناظره،.. وبعد عشرين ساعة من السفر تصل إلى النعمة عاصمة ولاية رتبها أسلافك إداريا على أنها الولاية الأولى.. وقد حافظت بجدارة على هذه الرتبة في قائمة المدن الأكثر إهمالا ونسيانا، تماما كما حافظت على مكانتها الأولى في المدن الأكثر ولاء لساكنة القصر الرمادي..
إذا نزلت يمكنك أن تنزع لثامك فلن يتعرف عليك أغلب الناس، ومن عرفك منهم لن يصدق نفسه أبدا، ستتوقف بك السيارة وسط البطحاء بجانب جسر مفترض مول ذات عام من طرف الدولة أيام كنت حاحب أمير المؤمنين، تقول لافتة كبيرة غرست قربه إنه أحد جسرين كلفا خزينة الدولة اربعمائة مليون أوقية فقط، ولم يبق منهما غير حفر وقطع من الخرسانة، وأوتاد حديد عليك أن تأخذ حذرك منها، فربما تعثرت بأحدها، فلست خبيرا في المشي بالدراعة .. حسب ما أظن.
يمكن أن تشرب شايا في عريش صاحبة المطعم، تستمع بهدوء إلى ما سيمطرك به المسافرون المنتظرون أن يعود بهم سائق السيارة التي جلبتك إلى حيث كنت، ستجد نصفهم مرضى اضطرتهم الظروف إلى السفر لانعدام سيارة اسعاف في المركز الجهوي للصحة، وبعضهم سئم نسيانك وأمثالك لهم فخيل إليه أن الاقتراب منك يذكرك به، وما علم الجهول ان قول الشاعر سيصدق عليه..
“وجاورتها أبغي السلو بقربها.. فدل علينا جاور الماء تعطش”
إذا شربت شايك فانت بالخيار، فكل انواع البؤس تحيط بك، إن شئت توجهت شرقا على بعد أمتار منك تجد المدرستين رقم 1 و2، لا تسأل أحدا ادخل المدرسة فقط وانظر، ستكيفك الحال مؤونة السؤال، وشرقهما بأمتار قليلة تجد صعيدا عرضت في أغنام، ربما لم يخطر ببالك وأنت تتناول “طاجينطك المشوي” أن تتساءل لم يبيع صاحب هذه الشاة شاته؟
فأغلبهم لم يبعها ترفا أو تجارة، بل لشراء دواء لم توفره وزارتك، أو لإطعام صبية كان قبل أعوام يبيع شاة واحدة تكفيه نفقة شهر، فبات يبيع عشرا ولا تكفيه أسبوعين، لأن راتبك ورواتب من يعملون عندك تقتطع من الضرائب التي تفرضونها عليهم، وهو يدفعها جهلا أو خصاصة من دون أن يعود عليه جزء مما دفع بنفع.
ولو علم المسكين أن إحدى تلك الشياه ستكون على مائدتك، لأرسل في بطنها رسالة إليك.. هذا إن لم يخطر بباله أن يضع فيها شيئا آخر..
وإن شئت توجهت غربا مع البطحاء لتقف بنفسك على توأم الجسر المغمور وما خلفه تشييده من آثار كارثية جعلت السيل يجرف المنازل الموجودة على حافة البطحاء، مع أن اللافتة تقول إنه أنفق عليه نصف المبلغ آنف الذكر.
إذا وصلت بداية الجسر الجنوبية اتجه جنوبا مع الشارع، تجد المستشفى الجهوي، لتقف بنفسك على حقيقة ما يعاني المرضى، لن تجد نصف التجهيزات التي أمرت في زيارتك الماضية باقتنائها، لا أحد يعرف أبخلا ممن أمرت، أم ضيق ذات اليد؟..
وتجول بهدوء بين الأقسام، لا تلتفت إلى صيحات المنتظرين الذي سيتهمونك بعدم احترام الطابور، إنه مجرد صراخ اعتادوا عليه، فهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن الأولوية ليست لمن جاء أولا ،بل لمن يعرف الطبيب.. ولا تنس لدى مغادرتك أن تمر بالصيدلية
ومن هناك توجه إن شئت إلى حي “الشوفية” أو “أشرم” أو “حي العدالة” لتقف على المدرسة رقم 6 أو 12 أو الاعدادية الأولى، لتجد الأطفال وهم يتزاحمون خمسة على طاولة واحدة، والبقية على خنشات أزر نفضها أهاليهم والله أعلم آشتروا بعدها أخرى أم لا؟..يلفح وجوههم قيظ النعمة وزمهيرها.. وإياك أن تلتفت إلى ما سيكون على طريق الأمل من القصور المنيفة، فلا شأن لك بها.. أنت قادم من قصر أجمل.
مساء، أيها المسافر الغامض، اعد لثامك إلى ما كان عليه، وعد إلى البطحاء، إسال عن سيارة قاصدة أي قرية- لا فرق بين القرى- وعاين بنفسك كيف أن الشرطي الذي سيكون بانتظاركم على المدخل واضعا قنينة زيت طعام ملئية بالحجارة وسط الطريق ليستوقف السائقين، أن ذلك الشرطي لا يختلف كثيرا عن المتسولين الذين كنت تراهم على ملتقيات الطرق قبل أن تصير رئيسا، إلا أنهم أكثر منه قناعة وحياء، فهم يسالون ” من فضل الله وبركة الرسول صلى الله عليه وسلم” وهو يسأل السائق باسم الدولة التي أنت رئيسها.. والمتسولون يقنعون بعشر أواق، فيما يستشيط هو غضبا إن تلكأت وأعطيته أقل من خمسمائة.. ولا حظ أنه سيأذخها عابسا ويزيح عن سيارتكم القنينة الصفراء.. ولايهم إن كنتم تحملون الأفيون والسلاح.
إياك أيها المسافر ان تركب في مقدمة السيارة، ففيها لن تعرف حقيقة الطريق، لن تفقدك الارتجاجات توازنك، وإن جئت إلى القرية – أي قرية- إسال عن المعلم ستكون محظوظا إن جئت في يوم لا يصادف السوق الأسبوعية لإحدى القرى المجاورة، لتتمكن من لقاءك، وفي الصباح زر المدرسة، لا تظن أنها قريبة فهي في أحسن الأحوال نصف كيلومتر، ستجد معلما يدرس مستويين في عريش واحد، قسم السبورة والوقت والجهد بينهما وهو كالمتزوج اثنتين ” رضا هذي يهيج سخط هذا.. فلا يعرى من إحدى السخطتين” وإن أراد العدل واستطاعه فلن يدرس اي فصل أكثر من نصف المقرر، ومن لم ينجح من الفصلين لا خيار أمامه إلا الانتقال إلى القسم الأعلى ، أو مغادرة المدرسة.. فتخيل أيها الرئيس، لو كان أحد هؤلاء الأطفال ابنك..؟
قبل مغادرتك عليك ان تستعير جملا وتسافر عليه إلى الشرق الأقصى، إلى من لا يعرف اسمك ولا اسم من قبل الذي جاء قبلك، بل ربما لا يعرف لأي دولة ينتمي، ومع ذلك لم يصوت منذ خلقه الله لغير الرئيس، ستعرف هنالك لم تحتل القاعدة ذلك الجزء من الأرض، ولم يتخاذل الجنود عن ملاحقتها رغم أن عناصرها يشترون كل حاجاتهم أو يأخذونها عنوة من المتاجرين في الأسواق الأسبوعية في تلك المناطق -على قلتها-.
فالجندي المعزول هنالك، لا يجد من الدولة أقل عناية، ويوم استشهد رفاقه في الغلاوية ولمغيطي لم يجد في تعاملك وأصحابك معهم ما يشجعه على الإقدام، فوقع هدنة غير معلنة مع جنود القاعدة أن خذوا ما شئتم ” وتجنبوا رأسي واضربوا”.
في رحلتك هذه التي ستأخذ منك خمسة أيام واربع ليال ستكتشف عاصمة الولاية الأولى على حقيقتها، ستعرف ان من يجتمعون في قصر المؤامرات لا يعرفون عنها أكثر مما تعرف أنت، وليسوا سوى باعة متجولين، يضعون في حقائبهم أصوات الناس يبيعونها لك، ولو انقلب عليك حارسك الشخصي لباعوها له ولعونك.. أو أهدوها له هدية من لا يملك لمن لا يستحق.
بعد عودتك إلى القصر الرمادي – إن سولت لك كرامتك العودة إليه- لن تعتمد على “بيان الحالة في الداخل” الذي يقدمه وزير الدخلية، لأنك ستعرف أن من أعدوه لك لا يعرفون إلا الداخل إلى جيوبهم، فمكاتبهم ودورهم موصدة الأبواب، “حتى النمل لا يهتدي طريقه إليها”..
لا تبتأس، فلن تعود من رحلتك خالي الوفاض قطعا، فما عليك إلا التعريف بنفسك قبل المغادرة، وستصطحب من الإبل قطيعين ومن الضأن والمعز والبقر ما شئت.. وليس هذا إكراما تخص به، فما من وال ولا حاكم ولا قائد منطقة عسكرية ولا مدير أمن، جاء إلى النعمة إلا غادرها بأضعاف ما ستغادرها به، وكلما طال أمد أحدهم كثر ماله.
وليست هذه حال النعمة وحدها.. بل لعلها تكون أحسن حالا من كثير من المناطق الأخرى.. فقط زرها وحدك.. وانزع لثامك إن شئت.. إن كان لديك وقت للاطلاع على أحوال الناس..!

*هوامش*:
1- كتبت هذا المقال قبل عشر سنوات
وأعيد نشره تزامنا مع زيارة الرئيس المرتقبة
لم أغير فيه حرفا لأن الواقع لم يتغير فيه ما يستدعي ذلك.
فكلا الرئيسين كان عسكريا وشارك في انقلاب على رئيسه.
2- سعر التذكرة تغير وبات 13 ألفا في الباصات أما السيارات الصغيرة فلم يعد الطريق يسمح لها بالسفر إلى النعمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *