حين تهمش لغة الدستور…من يحمي هوية الدولة؟

اللغة في مرمى الاستهداف… ما يجري ليس بريئًا
اللغة ليست أداةً محايدة، وليست تفصيلًا إداريًا يمكن تجاوزه باسم البروتوكول أو المجاملة الدبلوماسية. اللغة عنوان سيادة، ومرآة هوية، وحدٌّ فاصل بين دولة تحترم دستورها وأخرى تعبث برموزها الجامعة.
ما يجري اليوم من تغليب متعمّد للغة الفرنسية في أنشطة رسمية رفيعة المستوى، وبحضور قيادات وطنية وأجنبية، ليس صدفة عابرة، ولا خيارًا تقنيًا بريئًا. ما يجري هو رسالة سياسية واضحة، عنوانها إعادة ترتيب الأولويات الرمزية للدولة، ولو كان الثمن هو تهميش لغة الدستور نفسها.
فالمادة السادسة من الدستور تنص صراحة على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة. فبأي منطق يتم تجاوز هذا النص؟ وبأي مبرر تُقدَّم لغة أجنبية في الفضاء السيادي، بينما تُدفع اللغة الرسمية إلى الهامش؟ إن المسألة هنا ليست لغوية فحسب، بل سيادية بامتياز.
إن عضوية موريتانيا في المنظمة الدولية للفرنكوفونية يجب ألّا تعني بحالٍ من الأحوال الارتهان الثقافي أو التسليم بهيمنة رمزية داخل مؤسسات الدولة. فالتعاون الدولي لا يبرر إضعاف المرجعية الدستورية، والانفتاح لا يعني التنازل عن الثوابت. إن أي التزام خارجي لا يمكن أن يسمو على نص الدستور ولا أن يحلّ محلّه في الفضاء السيادي.
ما يجري اليوم يتجاوز اللغة إلى ما هو أخطر: تكريس نفوذ نخب فرنكفونية داخل مفاصل القرار، وإعادة إنتاج تراتبية ثقافية تجعل من الفرنسية عنوانًا للوجاهة والحداثة، بينما يُوصم التمسك بالعربية بأنه انغلاق أو رجعية. وهذه معادلة خطيرة، لأنها تؤسس لانقسام رمزي داخل مجتمع يفترض أن تجمعه هوية عربية إفريقية إسلامية واحدة.
إن استرضاء نخبة محدودة على حساب الأغلبية ليس انفتاحًا، بل انحياز. وليس تحديثًا، بل إعادة تموضع ثقافي يُضعف الرابط الجامع. فاللغة الرسمية ليست ملكًا لفئة، بل عقدًا دستوريًا بين الدولة ومواطنيها.
إن ما يجري، إذا استمر، يفتح الباب أمام تفكيك تدريجي للهوية الوطنية، وتحويل التنوع اللغوي إلى أداة اصطفاف سياسي وثقافي. والدول لا تُفكَّك دفعة واحدة، بل تبدأ حين تتساهل في رموزها، ثم تتآكل ثوابتها بصمت.
الدفاع عن العربية ليس عداءً للغات الأخرى، ولا رفضًا للانفتاح، بل هو دفاع عن السيادة، وعن احترام الدستور، وعن مجتمع واحد لا مجتمعات متنازعة داخل حدود الدولة.
فاللغة ليست مجرد كلمات تُنطق… بل خيار يُرسم به مستقبل وطن.
*سيدي محمدولداخليفه*