محمد عبد الله ولد بين/ يكتب: ” السيادة الغذائية في مجال الأرز: إعلان تحول استراتيجي في الدولة الموريتانية”.

يشكل تصريح الوزير الأول حول تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز وامتلاء الأسواق بالمنتج المحلي خلال شهر رمضان، إعلانًا سياسيًا واقتصاديًا صريحًا بدخول موريتانيا مرحلة جديدة في مسارها التنموي. فالتصريح لم يأت بصيغة الاحتمال، بل بصيغة الجزم ببلوغ هدف طال انتظاره: السيادة الغذائية في واحدة من أهم المواد الاستهلاكية.
وهو ما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية التي تبناها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي جعلت من الأمن الغذائي ركيزة مركزية في مشروع الدولة.
*أولًا: البعد السياسي* – السيادة الغذائية كتجسيد للسيادة الوطنية
حين تعلن الحكومة تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز، فإنها تعلن في جوهر الأمر استعادة جزء من القرار الوطني المستقل. فالأرز ليس سلعة هامشية، بل مادة أساسية في النظام الغذائي الوطني، والانتقال من الاستيراد إلى الإنتاج الذاتي يعني:
تقليص الارتهان للأسواق الخارجية.
تحصين القرار الوطني من تقلبات الأسعار العالمية.
تعزيز ثقة المواطن في قدرة الدولة على ضمان ضروريات العيش.
وهنا يكتسب المثل الشائع: «لا مستقبل لبلاد تأكل من وراء البحار» بعدًا تحليليًا دقيقًا؛ إذ إن الدولة التي تؤمّن غذاءها تؤمّن استقلال قرارها، وتؤسس لسيادة فعلية لا رمزية.
*ثانيًا: البعد الاقتصادي –* من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاج الوطني
يمثل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز مؤشراً على تحول في بنية الاقتصاد الوطني من الاعتماد على الاستيراد إلى توسيع قاعدة الإنتاج الداخلي.
اقتصاديًا، لهذا التحول آثار متعددة:
خفض فاتورة الواردات وتقليص الضغط على العملة الصعبة.
خلق فرص عمل في الزراعة وسلاسل القيمة المرتبطة بها (النقل، التخزين، التحويل).
تحريك الاقتصاد الريفي وتعزيز التنمية المحلية.
تحسين الميزان التجاري الغذائي.
كما أن امتلاء الأسواق بالمنتج الوطني خلال ذروة الاستهلاك الرمضاني يؤكد قدرة المنظومة الإنتاجية على الاستجابة للطلب المرتفع، وهو معيار مهم في قياس النضج الاقتصادي للقطاع الزراعي.
*ثالثًا: هل نحن أمام طفرة؟*
وفق المعطيات المعلنة، يمكن وصف ما تحقق بأنه طفرة إنتاجية حقيقية، لأن الطفرة تُقاس بتحول نوعي في النتائج، لا بزيادة كمية محدودة. وقد تحقق التحول في ثلاث نقاط أساسية:
الانتقال من العجز إلى الاكتفاء.
حضور المنتج المحلي في الأسواق بدل المستورد.
تجسد رؤية سياسية في واقع اقتصادي ملموس.
إن الطفرة هنا ليست مجرد زيادة في المحصول، بل تغيير في موقع الدولة داخل معادلة الغذاء.
*رابعًا: نجاح السياسات الحكومية*
إذا تحقق الاكتفاء الذاتي فعليًا، فإن ذلك يُعد دليلاً على:
فاعلية التخطيط الاستراتيجي.
نجاعة الاستثمارات في الري والبنية التحتية.
حسن توجيه الدعم للمزارعين.
التنسيق بين السياسات الزراعية والمالية والتجارية.
وهذا يعني أن البرامج الحكومية لم تبقَ في إطار الوعود، بل ترجمت إلى نتائج قابلة للقياس.
فالسياسات تُقاس بمخرجاتها، وأبرز مخرجات السياسة الزراعية اليوم هو تحقيق السيادة الغذائية في مادة الأرز.
خامسًا: الدلالة الرمزية والشرعية التنموية
لا تقل الرمزية أهمية عن الأرقام؛ فمشهد الأسواق وهي تعجّ بالمنتج الوطني في رمضان يحمل رسالة مزدوجة:
داخليًا: الدولة قادرة على إطعام شعبها.
خارجيًا: موريتانيا تتحول إلى فاعل زراعي إقليمي محتمل.
وهذا يعزز شرعية الدولة التنموية، حيث تتأسس المشروعية السياسية الحديثة على القدرة على الإنجاز وتحقيق الكرامة المعيشية للمواطن.
إن إعلان الوزير الأول عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز ليس مجرد خبر اقتصادي، بل هو إعلان تحول استراتيجي في مسار الدولة. إنه انتقال من مرحلة التبعية الغذائية إلى مرحلة السيادة في واحدة من أهم المواد الأساسية.
وبذلك يكون المشروع الزراعي قد تجاوز طور النوايا إلى طور الإنجاز، مجسدًا عمليًا المبدأ القائل:
لا مستقبل لبلاد تأكل من وراء البحار، ومستقبل الأمة يبدأ من أرضها.
فإذا كانت السيادة تبدأ من السياسة، فإنها تترسخ من الحقول.