*دور الحركة الناصرية في صناعة الوعي الوطني في موريتانيا: النجاحات والإخفاقات*/ سيدي محمد ولد اخليفه

*مقدمة*
منذ نشأتها في موريتانيا، لم تكن الحركة الناصرية مجرد انتماء أيديولوجي لفكر قومي عابر، وإنما مثلت مشروعًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا متكاملًا، سعى إلى الإسهام في بناء وعي وطني مستقل، قائم على التحرر من التبعية، والدفاع عن السيادة الوطنية، وتعزيز الهوية العربية الإسلامية، وترسيخ العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية.
وقد اتخذ عمل هذا المشروع أشكالًا متعددة، شملت التعليم والتثقيف، والعمل الشعبي والتطوعي، والنشاط النقابي والطلابي والعمالي، والفعل النضالي لمقاومة التبعية الثقافية والاقتصادية، والدفاع عن قضايا الفئات الشعبية، ومناهضة الاستبداد والظلم الاجتماعي.
ومن هنا، فإن دراسة تجربة الناصريين في موريتانيا لا ينبغي أن تختزل في مواقفهم السياسية أو في مشاركتهم في بعض الأحداث التاريخية، وإنما تقتضي النظر إلى الأثر الذي تركوه في تشكيل الوعي الوطني، وما حققوه من نجاحات، وما واجهوه من إخفاقات، وما يمكن استخلاصه من تجربتهم لصالح مستقبل البلاد.
وقد كانت انتفاضة 1984 محطة تاريخية تجسدت فيها هذه الرؤية، باعتبارها لحظة سياسية ونضالية كشفت عن مستوى من الوعي بقضايا السلطة والاقتصاد والعدالة والهوية والتنمية، وهي قضايا ظل جزء كبير منها حاضرًا في الحياة الوطنية الموريتانية إلى اليوم.
*أولًا: مواجهة التبعية الثقافية والاقتصادية*
كان رفض التبعية الاستعمارية، خاصة في المجالين الثقافي والاقتصادي، من القضايا الأساسية في الخطاب الناصري.
فقد رأى الناصريون أن الاستقلال السياسي لا يكتمل بمجرد إنهاء الوجود الاستعماري المباشر، وإنما يتطلب استقلالًا حقيقيًا في القرار السياسي وفي مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم والإدارة.
ومن هذا المنطلق، ناهضوا استمرار النفوذ الفرنسي في مؤسسات الدولة، ودعوا إلى مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، التي كانت من جهة مجحفة، ومن جهة أخرى تغطي استمرار التحكم الاستعماري، وإلى تعزيز السيادة الوطنية، وتأميم المؤسسات والشركات الأجنبية، وإنشاء مؤسسات اقتصادية وطنية تكرس الاستقلال الاقتصادي واعتماد العملة الوطنية.
كما ارتبطت مقاومة التبعية الاقتصادية بمقاومة التبعية الثقافية، حيث اعتبروا أن استمرار الهيمنة على التعليم والإدارة والثقافة يمثل امتدادًا للاستعمار بصورة أخرى.
ومن هنا جاء دفاعهم عن التعريب، وعن تعزيز الانتماء العربي الإسلامي، وعن الانضمام إلى الجامعة العربية، باعتبار ذلك جزءًا من مشروع الاستقلال الثقافي والسياسي.
*ثانيًا: التعليم والتثقيف الشعبي وصناعة الوعي*
لم يكن التعليم بالنسبة للناصريين مجرد وسيلة للحصول على المعرفة، بل كان أداة أساسية لبناء الإنسان الواعي والقادر على المشاركة في تغيير المجتمع.
ولهذا اعتمدوا على العمل التثقيفي والتعليمي، وقدموا دروسًا تطوعية لفائدة طلاب المحاظر القادمين من المدن الداخلية، وساهموا في إنشاء مبادرات تعليمية شعبية.
ومن أبرز التجارب في هذا المجال إنشاء محظرة/مدرسة العون في مسجد الشرفاء، التي كانت فضاءً للتعليم وتكوين عدد من الأساتذة والقضاة والمعلمين، بجهود عدد من رجال التعليم والتوجيه، من بينهم الأستاذ أحمد ولد أحمد جباب، والمرحوم الأستاذ عبد الله ولد السالك، ورفيقهما عبد الله يحظيه، وغيرهم.
كما امتد النشاط التعليمي والتثقيفي إلى القرى والمدن من خلال فتح المدارس، وتنظيم الأنشطة الثقافية، وتكوين المنتسبين، وتشجيع العمل التطوعي.
وهكذا أضحى التعليم في التجربة الناصرية جزءًا من مشروع سياسي واجتماعي أوسع، هدفه تحرير الإنسان من الجهل والتبعية، ورفع مستوى وعيه بحقوقه وواجباته تجاه المجتمع والدولة.
*ثالثًا: العمل الشعبي والتطوعي*
أدرك الناصريون أن الوعي السياسي لا يمكن أن يبقى حبيس الاجتماعات والنقاشات، ولذلك سعوا إلى تحويله إلى عمل ميداني.
فشاركوا في أنشطة اجتماعية وتعليمية وتطوعية، وفتحوا المدارس، ونظموا المبادرات الثقافية، وساهموا في بعض الأعمال الصحية والاجتماعية، بما جعل حضورهم يتجاوز المجال السياسي المباشر.
وقد كان لهذا النشاط أثر في توسيع دائرة انتشار التيار، وربطه بمختلف الفئات الاجتماعية، خاصة في المدن والأرياف.
كما ساهمت هذه التجربة في تكوين أجيال من المعلمين والطلاب والموظفين والمثقفين الذين حملوا معهم الأفكار المتعلقة بالاستقلال والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية.
فكانت مدرسة الشهيد دندو في نواكشوط معلمة بارزة، كونت أعدادًا كبيرة من الشباب الذين التحقوا بالتعليم النظامي وتمكنوا من ولوج مختلف أسلاك الوظيفة العمومية.
*رابعًا: النضال الطلابي والنقابي*
كان للطلاب والعمال حضور بارز في التجربة الناصرية.
فقد استطاع التيار إنشاء أطر طلابية ونقابية، من بينها رابطة الطلاب العرب الوحدويين الناصريين، إلى جانب الحضور داخل أوساط المعلمين والأساتذة والعمال، وفي عدد من المؤسسات والمرافق الحيوية.
وقد شكلت هذه الأطر فضاءات لنشر الوعي السياسي والمطلبي، وربط المطالب المهنية بالقضايا الوطنية الكبرى.
كما ساهم الحضور النقابي في بناء علاقات مع مكونات وطنية مختلفة، خصوصًا داخل الساحات العمالية والطلابية، بما عزز فكرة العمل المشترك حول القضايا الوطنية والاجتماعية.
وأدى هذا الانتشار إلى جعل النقابات والمنظمات الطلابية ساحات مهمة للنضال ضد الظلم والاستبداد، والدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية.
*خامسًا: الدفاع عن العدالة الاجتماعية ومحاربة العبودية واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان*
احتلت العدالة الاجتماعية مكانة أساسية في المشروع الناصري.
فقد ناهض الناصريون العبودية والشرائحية والفئوية، واعتبروها من رواسب التخلف التي تعيق بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة المتساوية.
كما تبنوا خطابًا وحدويًا يرفض تقسيم المجتمع إلى فئات متصارعة، ودافعوا عن بناء دولة يكون فيها الانتماء الوطني الجامع أساس الحقوق والواجبات.
ولم يكن هذا الموقف منفصلًا عن رؤيتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ فالعدالة في نظرهم لا تعني فقط المساواة القانونية، وإنما تشمل أيضًا تكافؤ الفرص، والحق في التعليم والصحة والعمل، وتوزيعًا أكثر عدلًا للثروة والخدمات.
وقد شكل هذا البعد الاجتماعي أحد العناصر التي ساهمت في انتشار التيار في الأوساط الشعبية.
*سادسًا: انتفاضة 1984 وذروة التعبير عن الفعل النضالي في خدمة الوطن*
مثّلت انتفاضة 1984 إحدى أبرز المحطات في تاريخ النضال الناصري في موريتانيا.
فقد جاءت في سياق سياسي واجتماعي واقتصادي اتسم بالاحتقان والتضييق على الحريات، لكنها لم تكن مجرد رد فعل على ظروف آنية، وإنما عكست تراكمًا فكريًا وتنظيميًا وسياسيًا امتد لسنوات.
وقد كشفت شعارات الانتفاضة عن رؤية تتجاوز اللحظة الآنية إلى قضايا الدولة والمجتمع.
فشعار «لا للتحالف الرأسمالي العسكري» عبّر عن رفض تداخل النفوذ الاقتصادي مع السلطة السياسية والعسكرية، وما يمكن أن ينتج عنه من احتكار للثروة والقرار.
أما شعار «لا لإهانة شعبنا في الريف» فكشف عن وعي مبكر بالتفاوت التنموي بين المركز والأطراف، وعن رفض تهميش سكان الريف وحرمانهم من الخدمات الأساسية.
وفي شعار «لا للطرد الجماعي للعمال والطلاب» برز الدفاع عن الفئات الاجتماعية الأكثر قدرة على التنظيم والاحتجاج، ورفض التضييق على الطلاب والعمال باعتبارهم قوى حية في المجتمع.
كما كشف شعار «ضريبة التبرع = ثراء الحاكمين» عن أزمة الثقة بين المواطن والسلطة، وعن رفض تحميل الفئات الشعبية أعباء اقتصادية في ظل شعور بانتفاع النخب المتنفذة من الموارد.
أما شعار «لا لليبرالية التعليم والصحة» فعبّر عن رفض إخضاع قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة لمنطق السوق، والتأكيد على مسؤولية الدولة في توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية.
وفي المجال الثقافي والهوياتي، جاء شعار «بالدم واللهيب يتم التعريب» ليعكس طبيعة الصراع الثقافي في تلك المرحلة، حيث اعتبر الناصريون الدفاع عن العربية والتعريب جزءًا من معركة الاستقلال الثقافي والسيادة الوطنية.
وبذلك يمكن القول إن شعارات انتفاضة 1984 حملت، في جانب مهم منها، قضايا ستظل مطروحة في موريتانيا: العدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعليم، والصحة، والعلاقة بين السلطة والثروة، والسيادة الثقافية.
*سابعًا: من انتفاضة 1984 إلى الانفتاح السياسي والدستوري*
لم تكن قيمة انتفاضة 1984 محصورة في شعاراتها أو في حجم التضحيات التي قُدّمت خلالها، وإنما امتدت آثارها إلى المسار السياسي والوطني الذي عرفته موريتانيا في السنوات اللاحقة.
فقد شكلت الانتفاضة، إلى جانب نضالات سياسية وشعبية أخرى، أحد عوامل إضعاف شرعية النظام الدكتاتوري القائم آنذاك بقيادة الرئيس محمد خونا ولد هيداله، وأسهمت في تعميق حالة الرفض السياسي والشعبي لذلك النظام، بما ساهم، مع عوامل أخرى، في سقوطه وانتهاء مرحلة اتسمت بالتضييق على الحريات وشيوع الاعتقالات والمحاكمات السياسية.
ومع سقوط نظام ولد هيداله، بدأت البلاد تدخل تدريجيًا مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي على الشعب، وبرز ذلك في تنظيم الانتخابات البلدية سنة 1986، التي مثّلت خطوة مهمة نحو إعادة المشاركة السياسية بعد مرحلة طويلة من الحكم العسكري المغلق.
ثم تواصل مسار الانفتاح السياسي والمؤسسي وصولًا إلى دستور يوليو 1991، الذي شكّل محطة مفصلية في تاريخ موريتانيا السياسي والدستوري، حيث أرسى أسس نظام تعددي، وفتح المجال أمام التعددية السياسية والحزبية والنقابية وحرية التعبير والمشاركة في الحياة العامة.
كما حسم الدستور في ديباجته مسألة الهوية الوطنية، حين أكد أن الشعب الموريتاني مسلم عربي إفريقي، وجعل العربية اللغة الرسمية للدولة، مع الاعتراف باللغات الوطنية الأخرى ضمن الإطار الدستوري والقانوني.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى انتفاضة 1984 باعتبارها إحدى المحطات النضالية التي ساهمت، ضمن عوامل أخرى، في الانتقال من مرحلة الحكم العسكري المغلق إلى مرحلة الانفتاح السياسي والتعددية الدستورية.
ولا يعني ذلك أن الانتفاضة وحدها أنتجت هذه التحولات، وإنما كانت جزءًا من تراكم سياسي واجتماعي ونضالي أسهم في تهيئة الظروف التي سمحت بانتقال البلاد إلى مرحلة جديدة.
*ثامنًا: الناصريون في موريتانيا والتطبيع مع الكيان الصهيوني*
شكّل موقف الناصريين من نظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع تجربة سياسية جديرة بالتوقف عندها، لأنها تكشف بوضوح حدود التقاطع السياسي عندما يصطدم بالمبادئ والثوابت الوطنية والقومية.
فقد دعم الناصريون النظام في مرحلة معينة، على أساس تبنيه عددًا من الخيارات التي رأوا فيها استجابةً لبعض القضايا الوطنية التي كانت ضمن أولويات نضالهم، وفي مقدمتها حسم مسألة الهوية، وتعزيز التعريب، والانفتاح السياسي والديمقراطي. وكان هذا الدعم موقفًا سياسيًا مرتبطًا بتلك الخيارات، وليس ولاءً لشخص الرئيس أو للنظام في حد ذاته.
ومع بداية المسلسل الديمقراطي، انقسموا إلى جزأين: طرف واصل دعم النظام وانخرط في حزبه، وطرف فضّل التميز من خلال تشكيل حزب التحالف الشعبي التقدمي.
غير أن دعم الطرف الذي انخرط في الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي بدا يتراجع مع بروز مظاهر الفساد واختلالات الحكم، إلى أن جاء قرار النظام بإقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، ليشكّل نقطة تحول حاسمة في الموقف الناصري.
فالتطبيع لم يكن بالنسبة إلى الناصريين مجرد خيار في السياسة الخارجية، بل اعتُبر مساسًا بثابت قومي مركزي يتعلق بالقضية الفلسطينية وبمواجهة المشروع الصهيوني، ولذلك لم يعد الاستمرار في دعم النظام أو المشاركة في مؤسساته السياسية منسجمًا مع الموقف الناصري.
وعلى إثر ذلك، اتجه الناصريون إلى الانسحاب من الحزب الجمهوري، باعتبار أن استمرار الانتماء إليه لم يعد منسجمًا مع مبادئهم.
ولم يقتصر الأمر على الانسحاب من الحزب، بل اتخذ الموقف، لدى عدد من الناصريين، أبعادًا عملية وسياسية أكثر وضوحًا، تمثلت في الاستقالة من بعض الوظائف والمناصب السامية في الدولة التي كان يشغلها بعض أفرادهم. وكانت هذه الاستقالات تعبيرًا عن رفض تحويل المشاركة في مسؤوليات الدولة إلى غطاء لسياسة التطبيع، وتأكيدًا على أن المبدأ يتقدم على الموقع والمصلحة الشخصية.
وهكذا انتقل التيار الناصري، في تلك المرحلة، من حالة التفاهم السياسي مع النظام والمشاركة في بعض مؤسساته إلى القطيعة السياسية معه والانضمام إلى المعارضة، في موقف أكد أن المشاركة في السلطة ليست غاية في ذاتها، وأن المواقع الرسمية لا يمكن أن تكون ثمنًا للتنازل عن الثوابت.
*تاسعًا: تضحيات الناصريين وذاكرة النضال*
دفعت الحركة الناصرية ثمنًا باهظًا لمواقفها، من خلال الاعتقالات والتعذيب والملاحقات وسقوط الشهداء.
وفي مقدمة هؤلاء الشهيدان المهندس سيد محمد لبات وأحمد محمود دداه، غفر الله لهما ورزقهما الخلود في الفردوس الأعلى من الجنة.
كما ساهم نضال المعتقلين والمناضلين، إلى جانب نضالات قوى وطنية أخرى، في خلق ضغط سياسي وشعبي أدى إلى الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين وعودة بعض المنفيين إلى الوطن بعد سنوات من الغربة والمعاناة.
وقد اجتمع كثير منهم بأسرهم بعد أن كانت الأحكام الصادرة بحق بعضهم تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد، في مشهد يعكس قسوة تلك المرحلة وحجم الاستهداف الذي تعرض له المعارضون السياسيون.
وهكذا أصبحت انتفاضة 1984 جزءًا أساسيًا من الذاكرة السياسية المعارضة في موريتانيا، ليس فقط باعتبارها مواجهة مع نظام سياسي بعينه، وإنما باعتبارها محطة من محطات النضال من أجل الحريات والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والهوية والمشاركة السياسية.
*عاشرًا: مساهمة الناصريين في التحولات الوطنية*
لا يمكن فصل التجربة الناصرية عن التحولات الكبرى التي عرفتها موريتانيا.
فقد ساهم الناصريون، إلى جانب قوى وطنية أخرى، في الدفع باتجاه عدد من الإجراءات والتحولات التي ارتبطت بتعزيز الاستقلال والسيادة، ومنها فك بعض أشكال الارتباط بالمستعمر، ومراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية مع فرنسا، وإنشاء العملة الوطنية، وتأميم ميفرما، وإنشاء مؤسسات اقتصادية وخدمية وطنية.
كما ساهموا في الدفع باتجاه إصلاحات في مجال التعليم وتعزيز التعريب، وشاركوا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإصلاح العقاري وتحرير الأرقاء السابقين، واعتبار الدين الإسلامي الحنيف دين الدولة والمجتمع ومصدر التشريع.
ولا ينبغي، بطبيعة الحال، اختزال هذه التحولات في دور تيار سياسي واحد؛ فقد كانت نتيجة تفاعل عوامل متعددة ومساهمات قوى وطنية مختلفة. غير أن حضور الناصريين في هذه القضايا كان جزءًا من مسار النضال الوطني العام.
*الحادي عشر: بناء المؤسسات والخدمة المجتمعية*
لم يقتصر نشاط الناصريين على الاحتجاج السياسي، بل حاولوا أيضًا إنشاء مؤسسات ومبادرات ذات طابع اجتماعي وخدمي.
ومن تلك المبادرات مدرسة الشهيد دندو، والعمل التطوعي في المجالات الصحية والاجتماعية، إلى جانب المبادرات الثقافية والتربوية.
وقد عكست هذه التجارب تصورًا يرى أن العمل السياسي الحقيقي ينبغي أن يرتبط بخدمة المجتمع، وأن بناء الوعي لا ينفصل عن تحسين حياة المواطن.
*الثاني عشر: الشراكات مع المكونات والقوى الوطنية*
من الجوانب المهمة في التجربة الناصرية محاولات بناء شراكات مع مكونات وقوى وطنية مختلفة.
وقد ظهر ذلك في العمل النقابي والطلابي، وفي العلاقات مع بعض المكونات الوطنية، وفي التحالفات السياسية اللاحقة، بما في ذلك التعاون مع قوى ذات خلفيات اجتماعية وسياسية مختلفة.
وتكشف هذه التجربة عن إمكانية بناء أرضية مشتركة حول القضايا الوطنية الكبرى، عندما تكون الأولوية للمواطنة والعدالة والوحدة الوطنية بدل الانتماءات الضيقة.
ومن أبرز تلك التجارب:
– التحالف مع القوى الوطنية والقومية في حركة التطوع.
– التحالف مع الحركتين: الحركة الوطنية الديمقراطية وحركة الحر، لقيادة اتحاد العمال الموريتانيين.
– التحالف مع الطلاب من القوميات الزنجية الإفريقية لقيادة اتحاد الطلبة والمتدربين الموريتانيين.
– الاندماج مع حركة الحر بقيادة الزعيم مسعود بلخير في حزب التحالف الشعبي التقدمي، وتسليم قيادته لمسعود.
*الثالث عشر: نجاحات التيار الناصري*
يمكن تلخيص أبرز نجاحات التيار الناصري في موريتانيا في النقاط التالية:
– نشر الوعي السياسي والاجتماعي، وإدخال قضايا الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية والهوية إلى دائرة النقاش الشعبي.
– الانتشار في مناطق وفئات اجتماعية متعددة، وعدم بقائه محصورًا في النخب السياسية والفكرية.
– بناء حضور مؤثر داخل الأوساط الطلابية والعمالية والنقابية.
– الإسهام في التعليم والتثقيف والعمل التطوعي وتكوين أجيال من الأطر والمثقفين.
– الدفاع عن الاستقلال والسيادة ومقاومة التبعية الثقافية والاقتصادية.
– الدفاع عن العدالة الاجتماعية ومناهضة العبودية والشرائحية والتفاوت الاجتماعي.
– المساهمة، إلى جانب قوى وطنية أخرى، في النضالات والتحولات السياسية التي عرفتها البلاد.
– تقديم تضحيات كبيرة في مواجهة الاستبداد والتضييق السياسي.
*الرابع عشر: إخفاقات التيار الناصري ومواطن القصور*
رغم هذه النجاحات، واجه التيار الناصري إخفاقات وتحديات حالت دون تحويل رصيده النضالي والفكري إلى مشروع سياسي موحد ومستدام.
ومن أبرزها:
– عدم القدرة على الحفاظ على وحدة التيار، وتوزع الناصريين بين أطر وأحزاب سياسية متعددة.
– ضعف القدرة على تحويل الرصيد النضالي والتاريخي إلى مشروع سياسي موحد قادر على الاستمرار والتجدد.
– التأثر بالتحولات الدولية والإقليمية، وخاصة صعود العولمة والليبرالية وتراجع التيارات القومية والفكرية في عدد من الساحات.
– تأثير الاعتقالات والملاحقات والانقسامات الداخلية والقيود السياسية على البنية التنظيمية للتيار.
– عدم القدرة على تشكيل بديل سياسي متكامل للحكم، رغم الدور البارز الذي لعبه الناصريون في المعارضة والنضال السياسي.
*الخامس عشر: الدروس المستخلصة*
إن أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة الناصريين في موريتانيا هو أن بناء الوعي الوطني يحتاج إلى الجمع بين الفكر والعمل.
فالأفكار لا تصبح قوة اجتماعية إلا عندما تتحول إلى تعليم وتثقيف وتنظيم وخدمة للمجتمع، كما أن النضال السياسي لا يمكن أن يستمر دون مؤسسات قادرة على حماية وحدة التيار وتجديد قياداته وأفكاره.
وتؤكد التجربة كذلك أن الدفاع عن الهوية يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني جامع، وأن العدالة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن الوحدة الوطنية، وأن الاستقلال السياسي يظل ناقصًا إذا لم يرافقه استقلال اقتصادي وثقافي حقيقي.
كما أن أحد أهم دروس التجربة يتمثل في ضرورة الجمع بين الاعتزاز بالتاريخ والنظرة النقدية إليه؛ فالتجربة النضالية لا تُقاس فقط بحجم التضحيات، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج مؤسسات وأفكار ومشروعات قادرة على الاستمرار والتجدد.
*خاتمة*
لقد شكل التيار الناصري في موريتانيا تجربة مهمة في مسار التكوين السياسي والفكري الوطني، جمعت بين الوعي القومي والعمل الاجتماعي والنضال السياسي والميداني.
وقد ساهم الناصريون في نشر الوعي بقضايا الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية والهوية والتعليم، وكان لهم حضور بارز في الأوساط الطلابية والنقابية والشعبية، كما قدموا تضحيات كبيرة في مواجهة الاستبداد والتضييق السياسي.
وتظل انتفاضة 1984 إحدى أبرز المحطات التي جسدت هذا الوعي، إذ لم تقتصر شعاراتها على رفض واقع سياسي معين، وإنما حملت أسئلة تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع.
كما أن ما أعقبها من تطورات سياسية، وصولًا إلى سقوط نظام ولد هيداله، والانفتاح السياسي، وتنظيم الانتخابات البلدية، ثم إقرار دستور يوليو 1991، يمثل مسارًا مهمًا في تطور الحياة السياسية والدستورية الموريتانية، بما أتاح الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعددية السياسية والمشاركة العامة، وحسم دستوريًا قضايا الهوية واللغة.
لكن قراءة التجربة تقتضي أيضًا الاعتراف بإخفاقاتها، وفي مقدمتها عدم الحفاظ على وحدة التيار وعدم القدرة على تحويل الرصيد النضالي والفكري إلى مشروع سياسي موحد ومستدام.
ومن هنا، فإن الوفاء لتاريخ الناصريين لا يكون فقط باستعادة أمجاد الماضي، وإنما بقراءة التجربة قراءة نقدية ومسؤولة، واستخلاص ما فيها من دروس، وتحويل قيم التحرر والعدالة والسيادة والوحدة الوطنية إلى مشروع معاصر قادر على الاستجابة لتحديات موريتانيا اليوم.
*سيدي محمد ولداخليفه*