*حين تستعيد الدولة هيبتها.* محمد عبد الله ولد بين


ليست كل الإصلاحات قرارات صاخبة، ولا كل الإجراءات المهمة تحتاج إلى كثير من الإعلان. أحياناً يكون القرار الأكثر تأثيراً هو ذلك الذي يعيد موظفاً إلى موقع الحاجة، أو يضع حداً لامتياز غير مبرر، أو يجعل المعيار أقوى من النفوذ.
ومن هذا المنظور، تستحق بعض القرارات الأخيرة في قطاعات خدمية قراءة إيجابية، لا باعتبارها دليلاً على أن كل شيء قد أُصلح، وإنما باعتبارها مؤشرات على إرادة لإعادة ترتيب الإدارة وفق مقتضيات المصلحة العامة.
في قطاع الصحة، يأتي قرار إعادة الأطباء والفنيين والممرضين والقابلات من بعض المصالح والإدارات والمشاريع إلى الميدان، حيث الحاجة إليهم أكبر. ولا يعني ذلك أن كل من كان في الإدارة كان بلا مهمة، لكن الطبيب والممرض والقابلة تظل قيمتهم الوطنية الأهم حيث يوجد المريض.
الطبيب مكانه الأول حيث يحتاج إليه المريض، لا حيث تقل الحاجة إليه.
وفي قطاع التربية، تبدو مراجعة الخريطة المدرسية وإغلاق المؤسسات التي لا تستجيب للمعايير التربوية والديمغرافية خطوة في الاتجاه نفسه.
لقد عانت البلاد أحياناً من إنشاء مدارس ونقاط خدمية تحت تأثير المنافسات السياسية والاجتماعية، حتى أصبح تجمع صغير قادراً، بفعل النفوذ، على استجلاب مدرسة ومسجد ونقطة صحية وطريق وغير ذلك من الخدمات.
خدمة الريف واجب، لكن الدولة لا ينبغي أن تكافئ التقري العشوائي، ولا أن توزع مواردها وفق موازين النفوذ. المدرسة ينبغي أن تكون حيث يوجد التلاميذ والحاجة التعليمية، والموارد ينبغي أن توجه إلى أهداف وطنية واضحة.
أما قطاع الإسكان، فإن الهدوء الذي طبع عمله خلال الفترة الأخيرة، ومحاولة معالجة الاختلالات الأكثر إلحاحاً في المجال العقاري، يمثلان جانباً آخر من استعادة الدولة لسلطة القانون.
لا أحد ينتظر حل مشكلات العقار دفعة واحدة، لكن مواجهة الفوضى بهدوء، وترسيخ القواعد، ومحاربة التجاوزات، خطوات أهم من كثرة التصريحات.
ثم يأتي ملف الابتزاز، وهو من أكثر الملفات حساسية؛ لأن الدولة لا تستطيع أن تعمل بصورة طبيعية إذا أصبح المسؤول أو المواطن أو الإعلامي تحت ضغط التهديد والتسريب والمساومة.
المهم هنا ليس اختفاء التسريبات في حد ذاته، وإنما ترسيخ قاعدة بسيطة: لا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن يتحول الإعلام أو النفوذ أو المنصب إلى وسيلة للابتزاز.
وفي المجال البرلماني، فإن تطبيق القانون والإجراءات المنظمة لعضوية البرلمان، أياً كانت هوية المعنيين بها، يبعث برسالة مهمة: المؤسسات لا تستقيم إذا أصبحت القواعد قابلة للتعطيل تحت ضغط الضجيج.
فالبرلمان فضاء للتشريع والرقابة والنقاش، وليس ساحة للبذاءة والتحريض والشحن. وقوة النائب لا تقاس بارتفاع صوته، وإنما بقوة حجته واحترامه للمؤسسة التي يمثلها.
لكن التعاطي الإيجابي مع هذه الإجراءات لا يعني منح الحكومة شيكاً على بياض.
الحكومة تُشكر حين تصيب، وتُنبه حين تخطئ، وتُطالب بالمزيد حين تنجح. والنقد المسؤول ليس خصومة، كما أن التأييد لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء من المساءلة.
المهم أن نخرج من ثقافة رفض كل قرار لمجرد أنه صادر عن الحكومة، كما نخرج من ثقافة الدفاع عن كل قرار لمجرد أنه صادر عنها.
فالإصلاح الحقيقي هو أن يصبح المعيار أقوى من المحاباة، والقانون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أقوى من الحسابات الضيقة.
وحين تبدأ الدولة في استعادة هذه المعادلة، فإنها لا تصلح إدارة أو قطاعاً فحسب، بل تبدأ في تغيير الثقافة التي أنتجت الاختلال نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى