*متقاعدو التعليم في موريتانيا… بناة الأمس الذين يستحقون وفاء اليوم/سيدي محمد ولد اخليفه

ليس من العدل أن نتحدث عن بناء مستقبل موريتانيا، وننسى أولئك الذين بنوا الإنسان الموريتاني قبل أن نبني المؤسسات.
فمتقاعدو التعليم ليسوا مجرد أرقام في سجلات المعاشات، بل هم رصيد وطني من العلم والخبرة والتجربة، أفنوا عقودًا من أعمارهم في قاعات الدرس، ووقفوا وراء الأجيال التي تتولى اليوم مسؤولية إدارة البلاد في مختلف المجالات.
لقد علّموا أبناءنا القراءة والكتابة، وغرسوا فيهم القيم، وصنعوا الوعي، وأسهموا في بناء المجتمع والدولة. ولذلك، فإن ما قدموه لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يتقاضونه من معاش، وإنما بما تركوه من أثر في أجيال الوطن.
ومع الأسف، يعيش كثير من هؤلاء المتقاعدين اليوم أوضاعًا معيشية واجتماعية لا تتناسب مع مكانتهم ولا مع حجم عطائهم، في ظل ضعف المعاشات، وارتفاع تكاليف الحياة، والحاجة المتزايدة إلى الرعاية الصحية والاجتماعية.
أليس من حق من أفنى عمره في تعليم أبنائنا أن يعيش شيخوخته بكرامة؟
وهل يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله بصورة سليمة إذا لم يحفظ كرامة من ساهموا في بناء ماضيه؟
إن العناية بمتقاعدي التعليم ليست منّةً ولا ترفًا، وإنما هي واجب وطني وأخلاقي، ورسالة واضحة إلى الأجيال القادمة بأن الدولة والمجتمع لا ينسَيان من خدمهما بإخلاص.
ومن هنا، فإن المطلوب:
– مراجعة معاشات متقاعدي التعليم بما يضمن لهم حياة كريمة.
– توفير رعاية صحية واجتماعية خاصة تراعي أوضاعهم وسنّهم.
– الاستفادة من خبراتهم في التكوين والاستشارة والتأطير التربوي.
– إشراكهم في البرامج والأنشطة التعليمية والثقافية، بما يسمح لهم بمواصلة خدمة الوطن وفق قدراتهم.
– رد الاعتبار لهم في الإعلام والخطاب التربوي والوطني.
إن تكريم المعلم بعد تقاعده هو تكريم لرسالة التعليم نفسها.
وإن رد الجميل لمن علّم وربّى وبنى العقول ليس مجرد وفاء للماضي، بل هو استثمار في مستقبل الوطن.
فمن لا يكرّم معلّميه ومتقاعدي التعليم، لا ينبغي أن يستغرب حين تتراجع قيمة التعليم في المجتمع.
موريتانيا مدينة لأجيال من معلميها… ومن الوفاء أن تسدد هذا الدين.
سيدي محمد ولد اخليفه.