قراءة في مقال: “موريتانيا… ذاكرة التعايش وآفاق الوحدة”* بقلم: سيدي محمد ولد اخليفه

ينتمي مقال الأستاذ عبد الرحمن سيدي محمد إلى الكتابات التي لا تستحضر التاريخ من أجل تسجيل المواقف أو تصفية الحسابات، بل ينتمي إلى مدرسة فكرية ترى أن التاريخ ينبغي أن يكون مصدرًا للعبرة وبناء المستقبل، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام. فالقضية التي يناقشها ليست مجرد قراءة لملف العبودية أو للحوار الوطني، وإنما هي سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الهوية الوطنية، والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الموريتانية.
وأبرز ما يلفت الانتباه في المقال أنه يرفض اختزال المجتمع الموريتاني في انتماءات عرقية مغلقة، ويؤكد أن موريتانيا لم تنشأ على أساس النقاء العرقي، وإنما تشكلت عبر سيرورة تاريخية وحضارية طويلة، كان الإسلام محورها، وكانت القيم العربية والإفريقية مكوناتها الأساسية. فالأصل في بناء الأمم ليس العرق، وإنما الحضارة المشتركة التي تصوغ الإنسان وتوحد المجتمع.
فالهوية الموريتانية ليست نتاج دم أو لون، وإنما ثمرة امتزاج القيم العربية الإسلامية بالقيم الإفريقية الأصيلة، في ظل الإسلام الذي جمع الجميع تحت عقيدة واحدة، وشريعة واحدة، ووجهة حضارية واحدة. ومن هذا التفاعل التاريخي وُلدت شخصية موريتانيا العربية الإسلامية الإفريقية، وهي هوية جامعة لا تُختزل في مكون دون آخر، ولا تلغي خصوصية أي مكون، وإنما تستوعب الجميع داخل إطار وطني واحد.
وهذا الفهم يجد سنده في التاريخ؛ فالمحاظر الشنقيطية لم تكن مؤسسات لفئة بعينها، بل كانت فضاءات علمية مفتوحة قصدها العرب والبولار والسوننكي والولوف وغيرهم، وتخرج فيها علماء من مختلف البيئات. كما عرفت الأسواق والقوافل والضفاف الزراعية أشكالًا واسعة من التبادل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مما أنتج مجتمعًا متداخلًا في المصالح والعلاقات، لا مجتمعًا قائمًا على العزلة العرقية.
كما يجد هذا التصور أساسه في الإسلام، الذي جعل معيار التفاضل التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى». وهذه المبادئ تجعل الانتماء الحضاري والأخلاقي مقدمًا على أي تصنيف عرقي.
ومن هذه الزاوية، فإن معالجة آثار الرق أو غيرها من المظالم التاريخية ينبغي أن تنطلق من قيم العدالة وسيادة القانون والمساواة، لا من إعادة تعريف المجتمع على أسس فئوية أو عرقية. فالتاريخ الإنساني يشهد بأن الرق لم يكن حكرًا على شعب أو عرق أو قارة، وإنما عرفته حضارات متعددة، وهو ما يجعل مقاربته العادلة قائمة على الاعتراف بالمظالم وإنصاف المتضررين، دون تعميم المسؤولية على جماعة بعينها أو تحميل الأجيال الحاضرة أوزار الماضي.
وفي هذا السياق، يثير المقال نقاشًا مهمًا حول الدعوات إلى إدراج التصنيفات الاجتماعية داخل الدستور أو اعتماد نظام المحاصصة. وهذه دعوة تستحق النقاش، لأن التجارب المقارنة في عدد من الدول تبين أن بناء الدولة الحديثة يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، بينما يؤدي تكريس الانتماءات الفرعية في الوثيقة الدستورية إلى جعلها أساسًا دائمًا للتنافس السياسي، وهو ما قد يضعف الاندماج الوطني بدلًا من أن يعززه.
كما يُحسن الكاتب حين يربط بين الهوية الوطنية واللغة العربية، غير أن هاتين المسألتين لم تعودا محل اجتهاد سياسي أو قانوني، لأن الدستور الموريتاني قد حسمهما بصورة واضحة. فقد أكدت ديباجة الدستور تمسك الشعب الموريتاني بالإسلام، وبانتمائه العربي والإفريقي، باعتبارهما الإطار الحضاري والثقافي الذي تشكلت في ظله الدولة والمجتمع. كما نصت المادة الخامسة على أن اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية، وأن اللغة الرسمية هي العربية، فيما نصت المادة السادسة على أن الإسلام دين الشعب والدولة. وبذلك يكون الدستور قد رسم الإطار المرجعي للهوية الوطنية، فأقر مرجعيتها الإسلامية، وانتماءها العربي والإفريقي، واعتمد العربية لغةً رسمية للدولة، مع الاعتراف باللغات الوطنية الأخرى باعتبارها جزءًا أصيلًا من الموروث الثقافي الوطني.
ومن هذا المنطلق، تظل العربية ليست مجرد لغة أغلبية، وإنما لغة القرآن الكريم، واللغة الرسمية للدولة، ولسان التراث العلمي الشنقيطي، والوعاء الذي تشكلت فيه الثقافة الإسلامية في موريتانيا. غير أن الدفاع عنها لا يعني الانتقاص من اللغات الوطنية الأخرى، بل إن هذه اللغات تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الوطني، ويظل الحفاظ عليها وتطويرها عامل إثراء للتنوع الثقافي، في إطار المرجعية الدستورية والهوية الوطنية الجامعة.
ويكتسب المقال بعدًا استراتيجيًا عندما يربط هذه الرؤية بالحوار الوطني المرتقب، فالحوار الحقيقي ليس مناسبة لإعادة إنتاج ملفات الصراع، وإنما فرصة لبناء عقد وطني جديد، يؤكد أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن العدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، هي الضمانات الحقيقية للوحدة الوطنية.
إن الرسالة الأساسية التي يقدمها المقال هي أن الهوية الموريتانية ليست هوية عرقية، بل هوية حضارية؛ عربية في لسانها وثقافتها، إسلامية في مرجعيتها وقيمها، إفريقية في عمقها الجغرافي والتاريخي والإنساني. وهذه الأبعاد الثلاثة ليست متعارضة، بل متكاملة، وقد أنتج تفاعلها عبر القرون شخصية موريتانيا المتميزة.
ومن هنا، فإن المستقبل لا يُبنى بإحياء الانقسامات، ولا بإعادة تعريف المجتمع بمنطق الأعراق والشرائح، وإنما بتعزيز المواطنة، وترسيخ دولة القانون، والتمسك بالهوية الحضارية الجامعة التي صاغها الإسلام، وأكدها الدستور، وامتزجت فيها القيم العربية والإفريقية لتؤسس وطنًا يتسع لجميع أبنائه، ويجعل من تنوعه مصدر قوة، لا سببًا للصراع والانقسام.

زر الذهاب إلى الأعلى