*أزمة المرجعية في زمن السوشيال ميديا:* *قراءة في تحولات الدين والإعلام والمجتمع*/ محمد عبد الله بين

لم تعد التحولات التي يشهدها المجتمع مجرد تغيرات عابرة في الأفكار أو في وسائل التواصل، بل أصبحت تعكس انتقالًا عميقًا في بنية الوعي نفسه. ففي غضون سنوات قليلة ظهرت ظواهر لم تكن مألوفة بهذا الحجم؛ ازدياد الجرأة على الثوابت، وانتشار خطاب الإلحاد والزندقة، وبروز الدعوات الطائفية، وتراجع مكانة العلماء، وتحول الفضاء الرقمي إلى سلطة تصنع الرأي العام وتعيد تشكيل القيم.
والأخطر أن هذه الظواهر لا تتمدد بقوتها الذاتية فقط، وإنما أيضًا بسبب الفراغ الذي خلفه تراجع النخب الفكرية والعلمية والثقافية، واكتفاؤها بالمراقبة أو الجدل الداخلي، بينما كانت وسائل التواصل تعيد هندسة العقول والأذواق والقناعات.
أولاً: أزمة المرجعية الدينية
يمكن النظر إلى انتشار الإلحاد والزندقة، كما إلى اتساع الخطابات الطائفية، بوصفهما نتيجتين لأزمة واحدة هي ضعف المرجعية العلمية الرصينة.
فالإنسان عندما يفقد الثقة في المرجعية المعتبرة لا ينتقل بالضرورة إلى الحقيقة، وإنما ينتقل غالبًا إلى مرجعية بديلة قد تكون أكثر تطرفًا أو أكثر هشاشة.
ومن هنا فإن الإلحاد والتشيع – رغم اختلافهما العقدي – يشتركان في استثمار الفراغ المعرفي الذي تركه ضعف التربية الشرعية، وتراجع المؤسسات التربوية، وتحول الخطاب الديني عند بعض أصحابه إلى خطاب دفاعي أو تقليدي لا يخاطب أسئلة العصر.
ثانياً: سقوط القدوة وانهيار السلطة الرمزية
لا تقوم المجتمعات على القوانين وحدها، وإنما تقوم كذلك على الرموز.
وعندما يفقد العالم هيبته، والمثقف مكانته، والمربي تأثيره، يصبح المؤثر الرقمي أكثر قدرة على صناعة الوعي من الجامعات والمساجد والمدارس مجتمعة.
ولذلك لم يعد التطاول على العلماء مجرد خلل أخلاقي، بل أصبح مؤشرًا على انهيار السلطة الرمزية التي تحفظ للمجتمع توازنه الفكري.
وحين تسقط القدوة، يصبح المشهور هو المرجع، وعدد المتابعين معيارًا للحقيقة، والإثارة بديلاً عن العلم.
ثالثاً: السوشيال ميديا وصناعة الأيديولوجيا الجديدة
لقد نشأت على منصات التواصل أيديولوجيا جديدة لا تستند إلى فلسفة أو دين، وإنما إلى منطق السوق.
فالخوارزميات لا تكافئ الحقيقة، وإنما تكافئ الأكثر إثارة، والأشد صخبًا، والأقدر على جذب الانتباه.
وهكذا أصبح السوق هو الذي ينتج الخطاب، لا المعرفة.
وأصبح النجاح يقاس بعدد المشاهدات لا بقيمة الفكرة.
ومن هنا سيطر السوقيون وصناع الإثارة على المجال الإعلامي، بينما تراجع أهل الفكر والعلم إلى الهامش.
رابعاً: الرأي العام بين التصنيع والتوجيه
كان الرأي العام في السابق يتكون عبر المدرسة والمسجد والجامعة والصحافة.
أما اليوم فقد أصبح يتشكل في دقائق عبر منصات التواصل.
وأصبحت المنصة لا تنقل الرأي العام فقط، بل تصنعه.
ولهذا أصبحت القضايا الهامشية تتحول إلى معارك وطنية، بينما تمر القضايا المصيرية دون اهتمام.
إننا أمام انتقال من مجتمع يناقش الأفكار إلى مجتمع يستهلك الانفعالات.
خامساً: أين النخبة؟
السؤال الأكثر إلحاحًا ليس لماذا انتشرت هذه الظواهر، وإنما:
أين كانت النخبة؟
لقد وقفت قطاعات واسعة من النخبة بين الحيرة والانبهار.
فمنهم من اكتفى بالتفرج.
ومنهم من انشغل بصراعاته الصغيرة.
ومنهم من استسلم لمنطق المنصات نفسها، فصار يلهث خلف الشهرة بدل صناعة الوعي.
وهكذا أصبح المجتمع بلا قيادة فكرية حقيقية.
فالفراغ لا يبقى فراغًا؛ فإذا غاب العلماء الراسخون، والمفكرون المسؤولون، والمثقفون الجادون، ملأه أصحاب الضجيج، وباعة الإثارة، ومحترفو الاستقطاب.

إن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالملاحقة الأمنية وحدها، ولا بالوعظ المجرد، ولا بالدخول في معارك إعلامية عابرة.
بل تبدأ بإعادة بناء المرجعية العلمية، واستعادة مكانة العالم والمربي، وتجديد الخطاب الديني والفكري، وبناء إعلام معرفي قادر على منافسة إعلام الإثارة، وتكوين نخبة تؤمن برسالتها الحضارية بدل الارتهان لمنطق السوق الرقمي.
فالمجتمعات لا تنهار حين تختلف الآراء، وإنما تنهار حين تفقد القدرة على إنتاج مرجعيات موثوقة، وقدوات محترمة، ونخب تتحمل مسؤوليتها التاريخية. ففي تلك اللحظة يصبح الضجيج أعلى صوتًا من الحكمة، والشهرة أسبق إلى التأثير من العلم، ويتحول الفراغ الفكري إلى بيئة خصبة لكل أشكال التطرف الفكري والديني والإعلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى