بين التاريخ والسردية الطائفية*رسالة إلى الأستاذ الحسن ولد مولاي اعل/ محمد عبد الله بين .

حين يصدر خطاب طائفي من شخص عُرف بالرصانة، فإن وقع الصدمة يكون أكبر من وقع الكلام نفسه. ولذلك كان من العسير عليّ أن أصدق ما نُسب إلى الأستاذ الحسن ولد مولاي اعل، الإعلامي المتميز، وأحد القادة التاريخيين للتيار الإسلامي في موريتانيا، من أن الصراع بين أهل السنة وشيعة آل البيت “ليس معركة عقائد، وإنما هو معركة بين ولاية منصوصة وخلافة انتزعها أهل السنة بالغلبة”.

ولو صدر هذا الكلام عن أحد منظّري الاصطفاف الطائفي لما استوقفني كثيرًا، أما أن يصدر عن رجل خبر الفكر الإسلامي، وعرف قيمة الوحدة، وعاصر تحولات الأمة، فذلك ما يدعو إلى الوقوف عنده بالحوار والنقد.

إن هذا التصور لا يمثل قراءة محايدة للتاريخ، بل يتبنى السردية الإمامية كما هي، ثم يقدمها وكأنها حقيقة تاريخية متفق عليها، بينما هي محل النزاع نفسه.

فأول ما يلاحظ على هذا الطرح أنه يسلم ابتداء بوجود “ولاية منصوصة”، وهذا هو أصل الخلاف العقدي بين أهل السنة والإمامية. فأهل السنة لا ينكرون فضل الإمام علي رضي الله عنه، ولا مكانته، ولا محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يعدون محبتهم دينًا يتقرب به إلى الله، لكنهم لا يرون وجود نص قطعي من القرآن أو السنة يعيّنه خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولو كان هذا النص موجودًا بهذه القطعية لما وسع كبار الصحابة مخالفته، ولما بايع علي رضي الله عنه أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، ولما شارك في إدارة الدولة، ولما جعل الشورى أساسًا في تعامله السياسي.

أما وصف الخلافة بأنها “انتزعت بالغلبة” فهو حكم لا ينسجم مع الوقائع التاريخية. فقد تمت بيعة أبي بكر رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، ثم أجمعت عليها الأمة بعد ذلك، واستخلف عمر بعد مشاورة، واختير عثمان عن طريق مجلس الشورى الذي ارتضاه كبار الصحابة، ثم بويع علي نفسه بيعة عامة. أما الملك القائم على الغلبة فقد بدأ في مراحل لاحقة، بعد انتهاء عصر الخلافة الراشدة، وهو ما قرره كثير من علماء أهل السنة أنفسهم.

ومن الخطأ المنهجي أن تُقرأ أحداث القرن الأول الهجري بعقلية الصراعات الإقليمية المعاصرة، أو أن تُسقط عليها مفاهيم تشكلت بعد ذلك بقرون. فالتاريخ الإسلامي لم يكن رواية واحدة، بل كان ميدانًا لاجتهادات بشرية، أصاب أصحابها وأخطؤوا، وقد نهى العلماء عن تحويل تلك الوقائع إلى وقود دائم للخصومة بين المسلمين.

والأخطر من ذلك أن هذه السردية لا تبقى حبيسة الماضي، بل تنتقل إلى الحاضر، فتجعل المسلم المعاصر يشعر بأنه مطالب بالثأر لمعركة لم يشهدها، أو بالاصطفاف في نزاع انتهى أصحابه إلى ربهم، يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

لقد استطاعت الأمة، رغم ما وقع من فتن، أن تبني حضارة عظيمة شارك في صنعها أبناء مختلف المدارس والمذاهب، ولم يكن ذلك إلا حين غلبت المشتركات على الخلافات، وقدمت مصلحة الأمة على ذاكرة الصراع.

واليوم، ونحن نواجه تحديات تمس وجود الأمة ووحدتها، من الاحتلال، والاستبداد، والتمزيق، والتخلف، يصبح استدعاء السرديات الطائفية خدمة مجانية لكل مشروع يريد أن تبقى الأمة غارقة في صراعاتها الداخلية.

إننا نترفع بالأستاذ الحسن ولد مولاي اعل عن أن يكون جزءًا من هذا الخطاب، لما عرفناه عنه من تجربة ووعي. فإن كان النص منقولًا على غير مراده، فذلك ما نرجوه. وإن كان يعبر عن رأيه، فإننا نختلف معه اختلافًا علميًا ومنهجيًا، لأن بناء الوعي الإسلامي لا يكون باستيراد الروايات المذهبية، وإنما بالرجوع إلى القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، والوقائع التاريخية الثابتة، والتمييز بين ما هو دين ثابت وما هو اجتهاد بشري في إدارة الشأن العام.

لقد تجاوز المسلمون عبر تاريخهم كثيرًا من الفتن حين جعلوا العدل والحرية والشورى ووحدة الأمة مقاصد عليا، ولم ينجحوا يومًا حين أعادوا فتح ملفات الثأر التاريخي.

إن مستقبل الأمة لن يصنعه الانتصار لسردية السقيفة أو لسردية كربلاء، وإنما يصنعه الانتصار للحق، والعدل، والكرامة الإنسانية، ووحدة المسلمين، واحترام اختلافهم، وإغلاق أبواب الفتنة التي ما إن تُفتح حتى لا ينجو منها أحد.

ومن حق التاريخ أن يُدرس، لكن ليس من حقه أن يحكم الحاضر، ومن حق العلماء أن يختلفوا في فهم الوقائع، لكن ليس من حق أحد أن يجعل ذلك الاختلاف أساسًا لتمزيق الأمة من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى