الأمة بين فخ الطائفية وواجب الشهود الحضاري/ محمد عبد الله بين

من أخطر ما يصيب الأمم أن تتحول ذاكرتها من مصدر للعبرة إلى مستودع للثأر، وأن يصبح التاريخ قيدًا على الحاضر بدل أن يكون معينًا على صناعة المستقبل. ذلك ما تعانيه الأمة الإسلامية حين تستدعي، كلما اشتدت أزماتها، قاموسًا مثقلًا بألفاظ الإقصاء والتبديع، فتبعث من جديد مصطلحات مثل “الروافض” و”النواصب”، وكأن خلاصها لن يكون إلا بإعادة تمثيل معارك مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا.
ولا ريب أن لهذه المصطلحات جذورًا تاريخية وعقدية لا ينكرها الباحث المنصف، لكنها نشأت في سياقات سياسية ومذهبية مخصوصة، ثم تحولت مع الزمن إلى أدوات للتحريض والتعبئة، حتى غدا كثير من الناس يرددها دون معرفة بتاريخها ولا بآثارها، فصار اللفظ يحجب الحقيقة، والشعار يغلب البرهان.
لقد جاء القرآن الكريم ليؤسس أمة لا طائفة، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. ولم يكن هذا النداء إلغاءً للاجتهاد ولا للخلاف، وإنما كان منعًا لتحول الخلاف إلى فرقة، والاجتهاد إلى عصبية، والرأي إلى هوية مغلقة.
ومن هنا، فإن النيل من أصحاب رسول الله ﷺ لا يضيف إلى قائله علمًا، ولا يورثه فضلًا، ولا يقربه من الله. فالصحابة هم الجيل الذي حمل الوحي، وزكاه القرآن في الجملة، وبهم وصل إلينا الدين. والإنصاف يقتضي أن يُذكر فضلهم، وأن تُمسك الألسنة عما شجر بينهم إلا بميزان العلم والعدل، لا بمنطق الهوى والانتقام التاريخي.
وفي المقابل، لا يقل خطرًا عن ذلك تحويل التجارب السياسية التي عرفها المسلمون بعد عصر الخلافة الراشدة إلى نماذج مقدسة لا تقبل النقد. فالدولة الأموية، والعباسية، والعثمانية، وغيرها، دول أنشأها بشر، لهم مناقبهم وأخطاؤهم، أصابوا وأخطؤوا، وأقاموا منجزات كما وقعت في عهودهم مظالم وفتن. أما الإسلام، فهو أوسع من أي تجربة سياسية، وأبقى من أي دولة، وأسمى من أن يختزل في سلالة أو سلطان.
ولذلك كان وصف النبي ﷺ لما آل إليه الحكم بعد الخلافة الراشدة بأنه ملك عاض أو ملك عضوض تنبيها إلى تحول تاريخي، لا دعوة إلى سب السابقين ولا إلى تمجيدهم تمجيدا يعطل النقد. فالشرع يزن الرجال بالحق، ولا يزن الحق بالرجال.
وإذا كان من حق العلماء أن يحققوا في مسائل العقيدة والتاريخ بمنهج البحث والبرهان، فليس من حق أحد أن يجعل تلك الخلافات وقودا لتفتيت المجتمعات، أو وسيلة لتحديد الولاءات السياسية في عصر تتكالب فيه الأمم على أوطان المسلمين وثرواتهم واستقلال قرارهم.
إن معركة الأمة اليوم ليست بين سني وشيعي، ولا بين رافضي وناصبي، وإنما بين مشروع يريد لهذه الأمة أن تبقى ممزقة مستهلكة مستباحة، ومشروع يسعى إلى أن تستعيد استقلالها ووحدتها وكرامتها. وليس كل من رفع شعار المقاومة مصيبا في كل شيء، ولا كل من خالفه متصهينا، لكن الثابت أن تحويل بوصلة الأمة من مواجهة تحدياتها الكبرى إلى تصفية الحسابات المذهبية يمثل انتصارا مجانيا لأعدائها.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا الباب عبارة المفكر الإيراني علي شريعتي: “الخلاص في التسنن العمري والتشيع العلوي، والخطر في التسنن الأموي والتشيع الصفوي.” ولم يكن يقصد بذلك إنشاء مذهب جديد، وإنما كان يميز بين الإسلام بوصفه منظومة قيم، والإسلام حين يستغل في خدمة السلطة أو العصبية. فـ”التسنن العمري” رمز للعدل والورع والشورى، و”التشيع العلوي” رمز للحق والزهد والاستقامة، أما “التسنن الأموي” و”التشيع الصفوي” فهما – في اصطلاحه – صورتان لتسييس الدين وتطويعه لخدمة الصراع على النفوذ.
وسواء وافق المرء شريعتي في هذا التعبير أو خالفه، فإن الفكرة الجوهرية تظل جديرة بالتأمل: إن الدين حين يفقد أخلاقه يتحول إلى راية تتقاتل تحتها الطوائف، وحين يستعيد مقاصده يصبح جسرا تعبر عليه الأمة نحو نهضتها.
لقد آن الأوان أن يتحرر المسلم من أسر المصطلحات التي صنعها تاريخ الصراع، وأن يعود إلى لغة القرآن التي خاطبت الناس بصفات الإيمان والعمل الصالح، لا بألقاب التباغض والتلاعن. فالأمة لا تنهض باللعن، ولا تبنى بالثأر، ولا تستعيد مكانتها بتوزيع صكوك النجاة والهلاك، وإنما تنهض بالعلم والعدل والحرية، وبإحياء معنى الأخوة الذي جعله القرآن أساس الاجتماع الإنساني.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نكسب معارك الوهم ونخسر معركة الحضارة؛ أن نظل ننتصر على خصوم ماتوا منذ قرون، بينما نعجز عن الانتصار على الجهل والتخلف والتبعية والانقسام. فالتاريخ لا يكتب ليُعبد، بل ليُفهم، والخلاف لا يدرس ليورث الكراهية، بل ليستخلص منه ما يعصم الأمة من تكرار المأساة.
ولعل أعظم الوفاء للصحابة وآل البيت، ولجميع رموز الإسلام الأوائل، ليس أن نتخذهم وقودا لخصوماتنا، بل أن نتخلق بأخلاقهم، ونقتدي بإيمانهم، ونجعل من اختلافهم درسًا في فقه البشر، لا ذريعة لتمزيق الأمة التي بذلوا أرواحهم في سبيل بنائها.