*روح مؤتمر ألاك 1958 بين شرعية*التأسيس وحتمية التجديد / محمد عبد الله ولد بين

تشهد الساحة الوطنية في هذه المرحلة حراكًا فكريًا وسياسيًا يتخذ من “روح مؤتمر ألاك 1958” عنوانًا للتفكير في سبل إعادة تأسيس المواطنة الجامعة، وتجديد العقد الوطني، والبحث عن أجوبة للتحديات التي تواجه الدولة الموريتانية في حاضرها ومستقبلها، استلهامًا لتجربة جيل التأسيس الذي نجح، في ظرف تاريخي استثنائي، في توحيد الإرادات الوطنية ووضع اللبنات الأولى للدولة المستقلة.
وبوصفي مواطنًا، وأحد أبناء ولاية لبراكنه التي احتضنت ذلك المؤتمر التاريخي، وشبه مثقف يستشعر مسؤوليته تجاه وطنه، أجد من واجبي أن أشارك في هذا النقاش برأي أرجو أن يسهم، ولو بقدر يسير، في إثراء الحوار الوطني حول القضايا الكبرى التي تشغل حاضر موريتانيا ومستقبلها. فالمقصود ليس مراجعة التاريخ أو التقليل من قيمة مؤتمر ألاك، وإنما التساؤل حول مدى قدرة روحه، وحدها، على الاستجابة لتحولات المجتمع وتحديات الدولة في القرن الحادي والعشرين.
لا يختلف اثنان على أن مؤتمر ألاك سنة 1958 كان محطة مفصلية في تاريخ تأسيس الدولة الموريتانية، وأنه مثّل، في سياقه التاريخي، صيغة توافق بين النخب التي قادت مشروع الاستقلال. وقد نجح في الإجابة عن سؤال المرحلة آنذاك، وهو بناء الدولة الوطنية وتثبيت استقلالها. غير أن السؤال المطروح اليوم ليس عن القيمة التاريخية للمؤتمر، فهذه قيمة راسخة لا جدال فيها، وإنما عن مدى صلاحية روحه السياسية للإجابة عن تحديات الدولة الموريتانية بعد ما يزيد على ستة عقود من التحولات العميقة.
فالمجتمع الذي اجتمع في ألاك سنة 1958 ليس هو المجتمع الموريتاني اليوم. فقد تضاعف عدد السكان، وتسارعت وتيرة التمدن، وتبدلت البنية الاجتماعية، وظهرت قوى سياسية ومدنية جديدة، كما تعمقت أسئلة الهوية والعدالة الاجتماعية والمواطنة، وأصبحت الدولة تواجه تحديات داخلية وإقليمية ودولية لم تكن مطروحة زمن التأسيس.
ومن هنا، فإن استدعاء روح مؤتمر ألاك يحمل قيمة رمزية ووطنية كبيرة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مرجعية مكتفية بذاتها؛ فالدول الحديثة لا تُبنى باستحضار اللحظات التاريخية وحدها، وإنما بإنتاج عقد اجتماعي متجدد يستجيب لتحولات المجتمع ويستوعب تطلعات أجياله الجديدة.
إن الحديث عن الوحدة الوطنية والمصالحة يظل هدفًا ساميًا، لكنه يثير سؤالًا مشروعًا: هل ما تزال المرجعية التي أنتجها مؤتمر ألاك قادرة على استيعاب مجتمع متعدد الثقافات واللغات والانتماءات، تتزايد فيه مطالب الاعتراف والمشاركة والإنصاف؟
كما أن الحديث عن المواطنة لا يكتمل بمجرد إعلانها مبدأً عامًا، بل يقتضي بيان الكيفية التي تتحول بها إلى ثقافة يومية وسلوك مدني داخل المدرسة والإدارة والإعلام والفضاء العمومي. فالمواطنة لا تُولد بالشعارات، وإنما تصنعها مؤسسات التربية، ويعززها العدل، ويحميها القانون، وتكرسها الممارسة اليومية.
ويلاحظ كذلك أن أي مشروع وطني معاصر ينبغي أن يتجاوز الحديث العام عن العدالة والإنصاف إلى رؤية عملية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على تكافؤ الفرص، والحد من التفاوت بين الجهات، وإصلاح الإدارة، وترسيخ سيادة القانون، لأن هذه كلها شروط أساسية لبناء مواطنة جامعة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن.
ومن زاوية أخرى، فإن تحديات الدولة الموريتانية اليوم تختلف جذريًا عن تحديات مرحلة الاستقلال. فموريتانيا أصبحت تواجه قضايا معقدة، من بينها الأمن في منطقة الساحل، والهجرة غير النظامية، والتغيرات المناخية، والتحولات الجيوسياسية، ومتطلبات الاندماج الاقتصادي، والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وهي تحديات تفرض رؤية وطنية جديدة تتجاوز منطق التأسيس الأول إلى منطق التجديد المستمر.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نستحضر مؤتمر ألاك؟ بل أصبح: كيف ننتقل من شرعية التأسيس إلى شرعية التجديد؟
إن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة إنتاج توافق سنة 1958، وإنما إلى حوار وطني واسع يستلهم قيم ذلك المؤتمر، دون أن يقف عند حدوده التاريخية، ويؤسس لدولة المواطنة، ودولة القانون، ودولة الكفاءة، والعدالة الاجتماعية، والدولة التي تنظر إلى تعددها الثقافي واللغوي باعتباره مصدر إثراء ووحدة، لا سببًا للانقسام.
لقد نجح مؤتمر ألاك في الإجابة عن سؤال الاستقلال، أما موريتانيا اليوم فإنها تواجه أسئلة أكثر تعقيدًا: كيف نبني مواطنة تتجاوز الانتماءات الضيقة؟ وكيف نؤسس لسلوك مدني يجعل الولاء للدولة فوق كل ولاء آخر؟ وكيف نحقق عدالة تنموية تشمل جميع الجهات؟ وكيف نُعد مؤسساتنا لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين؟
إن هذه الأسئلة لا تجد جوابها الكامل في استحضار روح مؤتمر ألاك وحدها، وإنما في صياغة عقد وطني جديد، يستلهم الماضي دون أن يبقى أسيرًا له، ويحفظ فضل جيل التأسيس، ويمنح في الوقت نفسه الأجيال الجديدة حقها في الإسهام في تأسيس مرحلة جديدة من تاريخ الدولة الموريتانية، أكثر عدلًا، وأكثر اندماجًا، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.