محمد عبد الله ولد بين يكتب :*   *وان بيران وصرخة الإنذار الأخيرة: قراءة في أزمة المدرسة الموريتانية* 

الأستاذ والخبير *وان بيران* وهو أستاذ جامعي وخبير متميز ، قامة من قامات موريتانيا ومقف بارز ، يبتعد عن الأضواء كثيرا ، ويتلك هدوءا لا نظيرله.

تشرفت بقراءة مقال كتبه عن أزمة التعليم في بلادنا…وقد لاحظت

أن نص الأستاذ وان بيران يعد نصاً صادماً في لغته، جريئاً في أطروحته، ومشحوناً بقلق فكري وأخلاقي عميق تجاه مصير المدرسة الموريتانية. وهو لا يكتفي بوصف أزمة التعليم، بل يذهب إلى حد توصيفها بـ”الإبادة الصامتة للذكاء”، وهو توصيف يحمل قدراً كبيراً من المبالغة البلاغية المقصودة، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن حجم الإحباط الذي يعتمل في نفس الكاتب تجاه ما يراه انهياراً متدرجاً لمنظومة إنتاج المعرفة والقيم.

ينطلق النص اللذي طالعنا من حدث موسمي مألوف هو موسم الامتحانات الوطنية، لكنه يحوله إلى مدخل للتأمل في أزمة بنيوية أعمق.

فالمشكلة عند الكاتب *وان* ليست في نتائج الامتحانات ذاتها، وإنما في المنظومة التي تنتج تلك النتائج. لذلك نجده يستثمر حادثة مدير التعليم في لبراكنه ليبرز كيف تحوّل النجاح الكمي إلى غاية في ذاته، وكيف أصبح رفع نسب النجاح مطلباً إدارياً وسياسياً يتقدم أحياناً على مقتضيات الجودة والصرامة الأكاديمية.

وتكمن قوة النص في أنه لا يحصر المسؤولية في جهة واحدة، بل يرسم شبكة متكاملة من العوامل المتداخلة: الغش، وتراجع الأخلاق، والضغوط الإدارية، والتساهل التربوي، والتكنولوجيا الحديثة، وضعف التكوين، وتراجع الكفاءة المهنية. وهذا التداخل يمنح النص بعداً سوسيولوجياً مهماً، لأنه ينظر إلى التعليم باعتباره مرآة لمجمل التحولات التي أصابت المجتمع.

غير أن أكثر أجزاء النص إثارة للنقاش هو حديثه عن إلغاء الامتحانات الشفوية. فالكاتب يحنّ إلى مرحلة كان فيها الشفوي مجالاً لاختبار الشخصية والقدرة على المحاججة والتفكير السريع، ويرى أن إلغاءه شكّل انتصاراً لمنطق التبسيط على حساب الجودة. وهذه ملاحظة وجيهة من حيث المبدأ؛ إذ لا يمكن إنكار القيمة التربوية للامتحانات الشفوية في قياس مهارات لا يستطيع الامتحان الكتابي قياسها. لكن الإشكال يكمن في أن الكاتب يبدو وكأنه يتعامل مع الشفوي بوصفه ضحية للفساد فقط، بينما قد تكون هناك اعتبارات أخرى مرتبطة بضمان تكافؤ الفرص والحد من التقدير الذاتي والانطباعي في التقويم.

ومن الناحية النقدية، يمكن القول إن النص يقع أحياناً تحت تأثير النزعة التشاؤمية التي تدفعه إلى تعميمات واسعة. فالتوصيفات من قبيل “مسلخ للمواهب” و”إبادة جماعية للذكاء” و”مصنع للكفاءات المتدنية” تمنح النص قوة تعبيرية كبيرة، لكنها قد تحجب بعض الجوانب المضيئة التي لا تزال قائمة في المنظومة التعليمية، كوجود آلاف التلاميذ المتفوقين، وجهود عدد معتبر من المعلمين والإداريين المخلصين. فالأزمة، مهما بلغت حدتها، لا تعني بالضرورة انهياراً كلياً للمنظومة.

كما أن الكاتب يركّز على أعراض الأزمة أكثر مما يقدم تصوراً عملياً لمعالجتها. فهو يدعو إلى “قطيعة معرفية” و”بداية جديدة”، وهي عبارات قوية من الناحية الفكرية، لكنها تظل بحاجة إلى ترجمة إجرائية تحدد طبيعة الإصلاح المنشود وآلياته ومراحله.

ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن في الحلول التي يقترحها، بل في قدرته على دق ناقوس الخطر. فهو نص احتجاجي بامتياز، يسعى إلى زعزعة حالة الرضا الزائف التي قد تتولد من ارتفاع نسب النجاح ومن الخطابات الرسمية المتفائلة. ومن هذه الزاوية ينجح الكاتب في أداء وظيفة المثقف النقدي الذي يرفض التكيف مع الواقع المختل، ويصر على مساءلته وكشف تناقضاته.

وخلاصة القول إن نص وان بيران يمثل شهادة فكرية مؤلمة على أزمة التعليم، وصرخة تنبيه أكثر منه دراسة علمية. قوته في صدقه، وفي جرأته على تسمية الأشياء بأسمائها، وفي استحضاره للبعد الأخلاقي الذي كثيراً ما يغيب عن النقاشات التربوية. أما حدوده فتتمثل في ميله إلى التعميم والمبالغة، وفي غلبة الحس المأساوي على التحليل الإحصائي والموضوعي. لكنه، رغم ذلك، يظل نصاً رفيع المستوى يفرض على القارئ أن يتوقف طويلاً أمام السؤال الذي يطرحه ضمنياً: هل ما نعيشه اليوم هو مجرد أزمة تعليم، أم أننا بالفعل أمام أزمة حضارية تمسّ طريقة إنتاج المعرفة والقيم في المجتمع كله؟.

زر الذهاب إلى الأعلى