*التقويم التربوي في موريتانيا بين* *منطق الانتقاء وضرورات الإنصاف والجودة*/محمد عبد الله ولد بين.

يُعد التقويم التربوي أحد أهم مكونات العملية التعليمية، فهو الأداة التي يُقاس بها مدى تحقق الأهداف التعليمية، كما يمثل مرآة تعكس جودة المناهج وفاعلية التدريس وكفاءة السياسات التربوية. غير أن التقويم يفقد وظيفته التربوية عندما يتحول من وسيلة لتحسين التعلم إلى آلية للفرز والإقصاء والانتقاء الاجتماعي.
وفي موريتانيا، يثير نظام التقويم المعتمد في مختلف مراحل التعليم نقاشاً متزايداً حول مدى ملاءمته للتحولات التي يشهدها القطاع التربوي، خاصة بعد تعميم التعليم الأساسي وتزايد أعداد المتمدرسين وتنامي المطالب المرتبطة بالعدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.
*أولاً:* ملامح النظام التقويمي في التعليم الموريتاني
يقوم النظام التربوي الموريتاني على سلسلة من المحطات الإشهادية الحاسمة:
☆ مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية في نهاية المرحلة الأساسية.
☆ شهادة ختم الدروس الإعدادية التي تشكل شرطاً للانتقال إلى الطور الثاني من التعليم الثانوي.
☆ شهادة البكالوريا التي تمثل البوابة الرئيسية إلى التعليم العالي.
ويلاحظ أن هذه المحطات الثلاث تتسم بكونها كلها تمثل اختبارات انتقائية أكثر منها تقويمات تشخيصية أو تطويرية، حيث يظل هاجس الانتقاء حاضراً بقوة في فلسفة الامتحانات الوطنية.
*ثانياً:* التقويم بين الوظيفة التربوية ووظيفة الانتقاء
في الفكر التربوي المعاصر لم يعد التقويم مجرد أداة لتحديد الناجحين والراسبين، بل أصبح وسيلة لتحسين التعلم ومرافقة المتعلم وألمنهاج والكشف عن مواطن القوة والضعف لديهما.
غير أن الواقع الموريتاني يكشف عن هيمنة ما يمكن تسميته “بثقافة الامتحان”، حيث تُختزل سنوات من التعلم في اختبارات نهائية قصيرة قد لا تعكس بصورة دقيقة الكفايات الحقيقية للمتعلمين.
ففي نهاية التعليم الأساسي يتم استبعاد نسبة معتبرة من التلاميذ رغم أن التعليم الأساسي يفترض أن يكون تعليماً إلزامياً ومتاحاً للجميع حتى نهاية المرحلة الأساسية.
كما أن الانتقال بين الأطوار التعليمية يخضع لمنطق الانتقاء أكثر من خضوعه لمنطق الاستمرار الطبيعي في التمدرس.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة المدرسة هي تعليم جميع الأطفال وتمكينهم من النجاح، أم فرزهم وإقصاء جزء منهم في كل مرحلة؟
*ثالثاً:* أزمة البكالوريا… أزمة تقويم أم أزمة تعليم؟
تمثل نتائج البكالوريا في موريتانيا أحد أكثر المؤشرات إثارة للجدل، إذ تتقدم للامتحان سنوياً عشرات الآلاف من المترشحين، بينما تبقى نسب النجاح في حدود متدنية مقارنة بحجم الجهد والموارد المبذولة.
وتفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل يرتبط بعدة عوامل متداخلة:
1. اختلالات المنظومة التعليمية
فالتلميذ الذي يصل إلى البكالوريا يكون قد مر عبر سنوات من التراكمات المعرفية غير المكتملة، وضعف التأطير التربوي، والاكتظاظ، ونقص الوسائل، وتفاوت جودة التعليم بين المناطق وحتي تفاوت تغطية المستويات بالمدرسين ، وتباين كفاءاتهم بشكل مريب.
2. هيمنة الحفظ والاستظهار
لا تزال أساليب التدريس في كثير من الأحيان تعتمد على التلقين أكثر من اعتمادها على بناء الكفايات والمهارات العليا في التفكير والتحليل، بينما تأتي الامتحانات النهائية لتطالب المتعلم بقدرات لم يتدرب عليها بصورة كافية.
3. إشكالية بناء الامتحانات
قد لا تكون بعض الاختبارات منسجمة دائماً مع المستويات الفعلية للمتعلمين أو مع ما تم تدريسه فعلا خلال العام الدراسي، مما يخلق فجوة بين التعلم والتقويم.
4. إشكالية التصحيح
ورغم أهمية ضمان الصرامة والمصداقية في التصحيح، فإن العدالة التقويمية تقتضي أيضاً توحيد المعايير وتدريب المصححين وضمان أكبر قدر من الموضوعية عليها والشفافية، حتى لا تتحول أخطاء التقدير إلى عامل مؤثر في مصير آلاف التلاميذ.
ومن ثم فإن انخفاض نسب النجاح لا يمكن تفسيره بالتصحيح وحده، بل هو انعكاس لمجمل اختلالات المنظومة التعليمية والتقويمية معاً.
*رابعاً:* العدالة التربوية وإشكالية تكافؤ الفرص
من المبادئ الأساسية للتقويم الحديث أن يكون عادلاً ومنصفاً ومراعياً للفوارق بين المتعلمين.
غير أن الواقع يكشف عن تفاوتات كبيرة بين المدارس الحضرية والريفية، وبين المؤسسات العمومية والخاصة، وبين البيئات الاجتماعية المختلفة.
وفي ظل هذه التفاوتات يصبح الامتحان الموحد أحياناً أداة لقياس الفوارق الاجتماعية أكثر من كونه أداة لقياس التحصيل الدراسي الحقيقي.
فالعدالة لا تعني توحيد الاختبار فقط، بل تعني أيضاً توحيد فرص التعلم التي تسبق الاختبار.
*خامساً:* نحو إصلاح شامل للتقويم التربوي
إن إصلاح التقويم لا يتحقق بمجرد تعديل الامتحانات، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لفلسفة التقييم برمتها.
ومن أهم المسالك والإستراتيجيات المقترحة:
1. الانتقال من ثقافة الامتحان إلى ثقافة التقويم المستمر
بحيث تصبح أعمال السنة والمشاريع والأنشطة الصفية جزءاً أساسياً من التقييم النهائي، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على امتحان واحد.
2. اعتماد التقويم بالكفايات
من خلال قياس ما يستطيع المتعلم إنجازه فعلياً، لا مجرد ما يستطيع حفظه واسترجاعه.
3. تطوير بنوك وطنية وجهوية
للأسئلة تُبنى وفق معايير علمية دقيقة تراعي مستويات التفكير المختلفة وتضمن صدق الاختبارات وثباتها.
4. تعزيز التقويم التشخيصي والتقويم المصاحب من خلال إجراء اختبارات دورية للكشف المبكر عن التعثرات ومعالجتها قبل الوصول إلى الامتحانات النهائية.
5. مراجعة فلسفة الامتحانات الانتقائية
خصوصاً في نهاية التعليم الأساسي، انسجاماً مع مبدأ تعميم التعليم الأساسي وضمان استمرارية المسار الدراسي للمتعلمين.
6. تكوين المدرسين والمفتشين في علوم القياس والتقويم
لأن جودة التقويم مرتبطة أساساً بكفاءة من يضعه ويطبقه ويحلل نتائجه.
7. تكوين المدرسين والمؤطرين
على بناء الاختبارات وتحليل النتائج واكتشاف مواطن الضعف والقوة على مستوى المؤسسات والولايات والبلاد ككل.
إن أزمة التقويم التربوي في موريتانيا ليست أزمة امتحانات فحسب، بل هي في جوهرها أزمة رؤية تربوية. فكلما ظل التقويم محصوراً في وظيفة الانتقاء والإقصاء، استمرت نسب الرسوب المرتفعة واستمر الشعور بالظلم والإحباط لدى المتعلمين وأسرهم.
أما إذا أعيد بناء التقويم باعتباره أداة لتحسين التعلم وضمان الجودة وتحقيق الإنصاف، فإنه سيتحول من حاجز يعوق المسارات الدراسية إلى رافعة حقيقية للإصلاح التربوي والتنمية البشرية. فنجاح المدرسة لا يقاس بعدد من تقصيهم الامتحانات، وإنما يقاس بعدد من تمكّنت من تعليمهم وتأهيلهم وتمكينهم من فرص النجاح في الحياة.