*محمد عبد الله ولد بين يكتب : *موريتانيا تنتصر على الإرهاب :* *مقاربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني* 

تكمن أهمية هذه المقاربة التي انتهجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في أنها تنطلق من إدراك عميق لطبيعة الظاهرة المتطرفة؛ فالتطرف ليس مجرد فعل أمني أو سلوك إجرامي معزول، بل هو في جوهره بناء فكري وعقدي ومنهجي يحتاج إلى تفكيك أسسه وإبطال مرتكزاته الشرعية المزعومة. ومن هنا جاءت المراجعات الفكرية والعقدية التي قادها العلماء والحوار الذي أتاح للموقوفين فرصة إعادة النظر في مفاهيم الجهاد والتكفير والحاكمية والولاء والبراء، بعيداً عن الإكراه أو الضغوط.

وقد أثبتت التجربة الموريتانية، بشهادة كثير من المراقبين، أن الانتصار على التطرف لا يتحقق بالسلاح وحده، مهما بلغت فعالية الأجهزة الأمنية، وإنما يقتضي كذلك الانتصار في معركة الأفكار. ولذلك فإن نجاح الدولة في إقناع عدد من رموز التيار الجهادي بالتخلي عن قناعاتهم السابقة يمثل مكسباً استراتيجياً يفوق في أثره كثيراً من النجاحات الأمنية الظرفية.

كما أن هذه المقاربة تكتسب أهمية إقليمية خاصة في ظل ما تشهده منطقة الساحل من تمدد للجماعات المتشددة وتراجع لفعالية الحلول العسكرية الصرفة. فموريتانيا تقدم نموذجاً يقوم على إعادة التأهيل والدمج المجتمعي، بما يسهم في تجفيف منابع التطرف وإضعاف قدرته على التجدد والاستقطاب.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج يظل رهيناً باستمرار المتابعة والتأطير الفكري والاجتماعي للمستفيدين من العفو، وبالحفاظ على التوازن بين مقتضيات المصالحة ومتطلبات العدالة وحقوق الضحايا. فالمقصود ليس طيّ الصفحة بالنسيان، وإنما تحويلها إلى درس وطني يعزز مناعة المجتمع ويحفظ أمن الدولة واستقرارها.

وبهذا المعنى، فإن مقاربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لا تمثل مجرد معالجة لملف سجناء السلفية الجهادية، بل تشكل رؤية استراتيجية لمعالجة جذور التطرف، وهي رؤية قد تقدم للساحل الإفريقي نموذجاً جديراً بالدراسة والاستلهام في مواجهة واحدة من أعقد أزمات المنطقة وأكثرها استعصاءً.

زر الذهاب إلى الأعلى