*بين الحياد المطلوب والتحيز الضمني: ملاحظات على الدليل المرجعي للحوار الوطني/سيدي محمد ولد الخليفة


يفترض في الوثيقة المرجعية لأي حوار وطني أن تكون إطارًا إجرائيًا محايدًا يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الأطراف السياسية والفكرية، وأن تتجنب المصطلحات والاختيارات التي قد توحي بتبني رؤية معينة أو ترجيح مقاربة على أخرى. فالحوار الوطني لا ينجح بالتحايل على الخلافات أو بإعادة صياغتها في عبارات تبدو توافقية شكلاً، بينما تحمل في مضمونها أحكامًا أو تصورات مسبقة، وإنما ينجح بالوضوح والموضوعية والالتزام الصارم بالحياد.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة مشروع الدليل المرجعي الصادر عن منسق الحوار تثير جملة من الملاحظات الجوهرية، ليس فقط بسبب ما أغفلته الوثيقة من ضمانات إجرائية أساسية، وإنما أيضًا بسبب ما تضمنته من مصطلحات ومحاور تعكس، في نظر كثيرين، مفاهيم ومواقف جهات سياسية وفكرية بعينها. والأخطر من ذلك أن هذه الاختيارات لم ترد في سياق نقاش توافقي بين الأطراف السياسية، بل ظهرت ضمن وثيقة يفترض أن تكون محايدة ومؤطرة للحوار لا موجهة له.

وتبرز مؤشرات ذلك بوضوح في اعتماد مصطلحات خلافية من قبيل «الإرث الإنساني» بدل «انتهاكات حقوق الإنسان»، وفي إدراج قضايا شديدة الحساسية مثل اللغات الوطنية بصياغات مفتوحة قد تُفهم باعتبارها مدخلًا لإعادة طرح إشكالات الهوية التي حسم الدستور جانبًا أساسيًا منها.

وبالمقابل، أغفلت الوثيقة موضوعات من صميم الإجراءات المرجعية، فعلى سبيل المثال لم تتطرق الوثيقة إلى آليات اتخاذ القرار داخل هيئات الحوار، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات وممارسات قد تفرغ الحوار من طابعه التوافقي.
وفيما يلي بعض الملاحظات التفصيلية التي تستدعي المراجعة والتصويب حفاظًا على حياد الوثيقة ومصداقية مسار الحوار الوطني:

*أولًا: غياب آليات اتخاذ القرار*
لم تتضمن الوثيقة أي إشارة واضحة توضح كيفية اتخاذ القرارات داخل لجنة الإشراف أو الورشات أو الجلسات الختامية. وتعد هذه ثغرة جوهرية، لأن نجاح أي حوار توافقي يقتضي تحديد آليات اتخاذ القرار بصورة دقيقة تمنع الالتفاف على التوافق أو فرض مخرجات لا تحظى بقبول جميع الأطراف. ومن ثم، فإنه من الضروري النص صراحة على أن القرارات الأساسية لا تعتمد إلا بالتوافق بين أطراف الحوار.

*ثانيًا: استخدام مصطلح «الإرث* الإنساني»
اعتمدت الوثيقة مصطلح «الإرث الإنساني» بدلًا من مصطلح «انتهاكات حقوق الإنسان». وهذا الاختيار ليس محايدًا، لأن المصطلح الأول ارتبط خلال العقود الماضية بمقاربة سياسية محددة للأحداث الوطنية، بينما يشكل المصطلح الثاني مفهومًا حقوقيًا وقانونيًا أكثر شمولًا وحيادًا. فحين تتبنى الوثيقة مصطلحًا محل خلاف سياسي، فإنها توحي مسبقًا بتبني رؤية معينة للموضوع قبل بدء النقاش حوله، وهو ما يتعارض مع الحياد المفترض في الوثيقة المرجعية.

*ثالثًا: استخدام مصطلح «المؤتمر* الوطني»
تضمنت الوثيقة مصطلح «المؤتمر الوطني»، وهو مصطلح ذو دلالات سياسية وتاريخية خاصة في عدد من التجارب الإفريقية، ويتجاوز في مدلوله مجرد جلسات حوار وطني؛ ولذلك يبدو من الأنسب استخدام تعبير أكثر حيادًا ودقة، مثل «الجلسات الختامية» أو «الاجتماع الختامي للحوار».

*رابعًا: طبيعة النظام والمؤسسات* الدستورية
إن إدراج ورشة بعنوان «تقييم النموذج الديمقراطي الحالي واقتراح سبل تطويره» ضمن المحور الثالث (النموذج الديمقراطي) يفتح المجال واسعًا للخلاف بين الفرقاء السياسيين، في وقت يتطلب فيه السعي إلى نجاح الحوار الابتعاد عن المواضيع الأكثر إثارة للخلاف.
ذلك أن طبيعة النظام الديمقراطي ومراجعته (نظام رئاسي أو نظام برلماني، وغير ذلك من المواضيع) لا تعبر عن أولوية وطنية ملحة الآن.

*خامسًا: طرح موضوع اللغات الوطنية*
يثير إدراج موضوع اللغات الوطنية ضمن محاور الحوار تساؤلات جدية حول الغاية من طرحه في هذا التوقيت. فهذه القضية ترتبط مباشرة بمسألة الهوية الوطنية، وهي من أكثر الملفات حساسية في تاريخ البلاد. كما أن المادة السادسة من الدستور حددت الإطار الدستوري المنظم للمسألة اللغوية، الأمر الذي يجعل إعادة طرحها بصيغة مفتوحة مدعاة لإثارة نقاشات انقسامية قد تعيد إنتاج الاستقطابات القديمة بدل تعزيز التوافق الوطني. ومن ثم فإن إدراج هذا المحور يعزز الانطباع بأن الوثيقة تتضمن خيارات سياسية تتجاوز دورها الإجرائي المفترض.
*سادسًا: إدراج موضوع الإرث المتعلق بالرق*

إن إثارة هذا الموضوع ضمن ورشات الحوار الوطني قد تؤدي إلى تعقيد النقاش وإدخال البلاد في سجالات حادة حول توصيفات وخلفيات سياسية متباينة. والأجدى أن يتم تناول الإشكالات المرتبطة بهذا الملف من خلال مقاربات جامعة تركز على العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفقر والتهميش، وتعزيز اللحمة الوطنية، بما يساهم في معالجة الأسباب الموضوعية للفوارق الاجتماعية بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والعرقي.

*الخاتمة*
إن اجتماع هذه الملاحظات، وخاصة ما يتعلق باستخدام مصطلحات خلافية مثل «الإرث الإنساني»، وطرح قضايا الهوية واللغة بصيغ غير منضبطة دستوريًا، وغياب الضمانات الخاصة بآليات اتخاذ القرار، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى حياد الوثيقة المرجعية.
وهو ما يستدعي إعادة النظر فيها من خلال لجنة توافقية تمثل مختلف الأطراف السياسية، بما يضمن أن تكون وثيقة جامعة ومنظمة للحوار، لا أداة لتوجيهه نحو خيارات أو تصورات معدة سلفًا.
انواكشوبتاريخ:2026/6/19

سيدي محمد ولد الخليفة

زر الذهاب إلى الأعلى