ردا على مقال : “ورادة” للهيبه ولد سيداتي/ محمد عبد الله بين

*بين معالجة المظالم التاريخية واستثمارها السياسي*

لا يختلف اثنان على أن المجتمعات البشرية عرفت عبر تاريخها أشكالاً متعددة من التفاوت والهيمنة والاسترقاق، وأن هذه الظواهر لم تكن حكراً على شعب دون آخر ولا على أمة دون غيرها. وقد عرفت بلادنا، مثل غيرها من المجتمعات، بعض هذه المظاهر التي خلفت آثاراً اجتماعية واقتصادية ما زالت بعض آثارها قائمة إلى اليوم.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكون الطريق إلى تجاوز هذه الموروثات بإحياء الجراح واستدامة الشعور بالمظلومية، أم بالعمل الجاد على بناء مستقبل يتجاوزها؟

لقد أصبحت بعض التيارات السياسية والإيديولوجية تنظر إلى المظالم التاريخية باعتبارها مورداً سياسياً قابلاً للاستثمار والتوظيف. فبدلاً من التركيز على ما يتحقق من إصلاحات وما يُبذل من جهود لمعالجة الاختلالات الاجتماعية، ينصب الخطاب على تضخيم السلبيات وإعادة إنتاج السرديات المأساوية بصورة دائمة، وكأن المجتمع محكوم بالبقاء أسيراً لماضيه.

إن تحميل الدولة الوطنية المعاصرة مسؤولية كل ما وقع عبر قرون من التاريخ لا يبدو منصفاً من الناحية الموضوعية. فالدولة الحديثة لم تنشئ نظام الاسترقاق، ولم تشرّعه، بل اتخذت في مراحل مختلفة إجراءات قانونية ومؤسساتية لتجريمه ومحاربته وتجفيف منابعه. ومن ثم فإن تقييمها ينبغي أن يكون على أساس سياساتها وبرامجها الراهنة، لا على أساس ظواهر تاريخية سبقتها بقرون.

وفي هذا السياق، يمثل مشروع المدرسة الجمهورية خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، لأنه يستهدف بناء أجيال تتربى في فضاء وطني موحد، بعيداً عن الحواجز الاجتماعية والموروثات التمييزية. فالتعليم ظل دائماً الوسيلة الأنجع لتحرير الإنسان من قيود الجهل والتبعية، وهو المدخل الحقيقي لتحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين.

كما أن البرامج الاجتماعية والتنموية التي تنفذها السلطات العمومية، ومن بينها التدخلات الموجهة للفئات الهشة والمناطق الأقل حظاً، تشكل أدوات عملية لمحاربة الإقصاء والتهميش، وهما من أخطر الآثار التي قد تتركها المظالم التاريخية. فالتنمية الاقتصادية، وتوسيع الخدمات الأساسية، ودعم الفئات الضعيفة، كلها إجراءات أكثر جدوى من الخطابات التي تكتفي بإثارة المشاعر دون تقديم حلول.

ولا يعني ذلك إنكار وجود مشاكل أو التقليل من شأن التحديات الاجتماعية، فهذه التحديات حقيقية وتتطلب المزيد من الجهد والعمل. لكن الفرق كبير بين من يتعامل معها باعتبارها قضايا وطنية تحتاج إلى حلول واقعية، وبين من يجعل منها مادة دائمة للاستقطاب السياسي والتعبئة الإيديولوجية.

إن الأمم لا تنهض بالعيش على جراح الماضي، وإنما بالنظر إلى المستقبل. والإنصاف الحقيقي لا يكون بإدامة الإحساس بالضحية، بل بتمكين الإنسان من التعليم والعمل والكرامة والمشاركة الكاملة في الحياة العامة. كما أن الوحدة الوطنية لا تُبنى على استدعاء عوامل الانقسام، وإنما على تعزيز المشتركات الوطنية وترسيخ قيم المواطنة والمساواة أمام القانون.

ومن هنا فإن الواجب الوطني يقتضي تشجيع كل مبادرة إصلاحية جادة، وتثمين كل تقدم يتحقق في مجال العدالة الاجتماعية، مع الاستمرار في نقد أوجه القصور بموضوعية ومسؤولية. أما تحويل المظالم التاريخية إلى وقود للصراع السياسي، فإنه لا يخدم المتضررين منها بقدر ما يطيل عمرها في الوعي الجماعي ويؤخر تجاوزها.

إن المستقبل الذي يستحقه الموريتانيون جميعاً هو مستقبل المواطنة المتساوية، والتنمية الشاملة، والتضامن الوطني، لا مستقبل الانقسام حول مآسي الماضي أو التنافس على استثمارها سياسياً.

زر الذهاب إلى الأعلى