*محمد عبد الله ولد بين يكتب :* *ليس كل نقدٍ حقيقة… و”تآزر” ليست ثقبًا أسود

اختطار صاحب المقال عنوانًا صادمًا: “تآزر أكبر ثقب أسود يبتلع أموال الفقراء”، وهو عنوان يستند إلى الإثارة أكثر مما يستند إلى البرهان، ويستبق الحكم قبل إقامة الدليل.
إن النقد حق مشروع، بل هو ضرورة في كل نظام ديمقراطي، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى إطلاق للأحكام المطلقة، واستبدال الوقائع بالانطباعات، والاتهامات بالأوصاف البلاغية.
إن وصف مؤسسة وطنية بحجم “تآزر” بأنها “ثقب أسود” يقتضي تقديم أدلة دامغة على الفساد أو تبديد الأموال أو الإخلال بالواجب، لا الاكتفاء بالاستعارة اللغوية التي قد تجذب القارئ، لكنها لا تُقيم حجة ولا تُثبت واقعة.
أما تحميل المندوب العام سيدي ولد مولاي الزين مسؤولية كل ما يثار حول المؤسسة، فهو تجاهل لطبيعة المؤسسات العمومية التي تعمل وفق برامج وميزانيات وآليات رقابية وإدارية متعددة المستويات، ولا تُدار بالمزاج الفردي ولا بالقرارات الشخصية.
لقد تسلم الرجل المسؤولية في أكتوبر 2025، ومنذ ذلك الحين انصب جهده على تعزيز حضور “تآزر” ميدانيًا، وتوسيع تدخلاتها في مجالات التعليم والمياه والزراعة والحماية الاجتماعية، مع التأكيد المتكرر على أن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الحقيقي لمحاربة الفقر والإقصاء. كما عرض في مقابلات إعلامية أرقامًا ومشاريع شملت مختلف ولايات البلاد، من منشآت مائية، وشبكات للمياه، وتحويلات اجتماعية، وبرامج دعم للفئات الهشة.
ولا يعني هذا أن المؤسسة بلغت الكمال؛ فالكمال ليس من صفات العمل البشري، وكل برنامج عمومي قابل للنقد والتقويم والتطوير. لكن الفرق كبير بين نقد الأداء، وبين إعدام المؤسسة معنويًا، وإصدار أحكام كلية وجزافية لا تميز بين مواطن الخلل ومواطن النجاح.
إن الإنصاف يقتضي أن يُحاسَب المسؤول على الوقائع لا على الشعارات، وعلى النتائج الموثقة لا على الانطباعات. وإذا وُجدت اختلالات، فلتُعرض بالأرقام والوثائق، ولتُحال إلى الجهات الرقابية المختصة، أما إطلاق الأحكام الجزافية فلا يخدم الفقراء الذين يدّعي البعض الدفاع عنهم، بل يضعف الثقة في كل جهد إصلاحي.
لقد أثبتت التجارب أن محاربة الفقر ليست قرارًا إداريًا يُنجز بين ليلة وضحاها، وإنما هي مسار طويل تتداخل فيه عوامل الاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية وفرص التشغيل. ومن الظلم اختزال هذا المسار المركب في عبارة مثيرة من قبيل “ثقب أسود”.
إن المسؤولية الأخلاقية للإعلامي تقتضي أن يكون شاهدًا على الحقيقة، لا صانعًا للانطباعات، وأن يوازن بين النقد والإنصاف، وبين كشف أوجه القصور والإقرار بما تحقق من إنجاز.
أما سيدي ولد مولاي الزين، فسيظل معيار الحكم عليه هو حصيلة عمله، وما تحققه المؤسسة في الميدان، لا العناوين النارية التي قد تصنع ضجة إعلامية، لكنها لا تصنع حقيقة.
فالحقائق تُقاس بالأثر، والإنجازات تُوزن بالنتائج، والتاريخ لا يكتب بالعناوين، وإنما يكتبه العمل.