*تمكين المرأة… عنوان دولة تبني الإنسان وتصنع المستقبل*/محمد عبد الله ولد بين

ليست الدول العظيمة تلك التي تُشيِّد الطرق والجسور والمباني فحسب، وإنما هي التي تنجح في بناء الإنسان، وتُحسن استثمار طاقاته، وتُطلق قدراته الخلاقة، لأن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب، وهو أساس كل نهضة، وغاية كل تنمية، ووسيلة كل تقدم.
ومن هذا المنظور الاستراتيجي، جاءت الكلمة القيمة التي ألقتها السيدة الأولى الدكتورة مريم محمد فاضل الداه في مدينة ألاك، خلال افتتاح النسخة الثالثة من برنامج “اسويد”، لتؤكد أن موريتانيا اختارت أن تجعل من تمكين المرأة مشروعًا وطنيًا، ومن التعليم والتكوين بوابته الكبرى، ومن الاستثمار في الإنسان رهانها الأكثر أمنًا وربحًا.
لقد حملت الكلمة رؤية متماسكة، ولغة واثقة، وفكرًا مستنيرًا، فعكست إدراكًا عميقًا بأن المرأة ليست قضية اجتماعية تُثار في المناسبات، ولا ملفًا تنمويًا يُدار بالأرقام، وإنما هي ركيزة الأسرة، وصانعة الأجيال، وشريك أصيل في الاقتصاد، وعنصر حاسم في بناء السلم الاجتماعي وترسيخ قيم المواطنة والإنتاج.
وحين يكون التعليم هو نقطة البداية، فإن كل أبواب المستقبل تُفتح أمام المرأة. فبالعلم تكتسب المعرفة، وبالتكوين تمتلك المهارة، وبالتمكين الاقتصادي تنال استقلالها، وبالمشاركة الفاعلة تصبح قوة اقتراح وإنجاز، لا مجرد متلقية لثمار التنمية. ولذلك فإن الاستثمار في تعليم الفتيات وتأهيل النساء ليس إنفاقًا اجتماعيًا، بل هو استثمار استراتيجي في حاضر الوطن ومستقبله.
وليس هذا التوجه وليد اللحظة، وإنما هو تجسيد أمين للرؤية الإصلاحية التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي جعلت من بناء الإنسان محور مشروعه الوطني “طموحي للوطن”. فمنذ انطلاق هذا المشروع، ظل التعليم، والتكوين، والعدالة الاجتماعية، وتمكين المرأة، ورعاية الشباب، وتعزيز اللحمة الوطنية، ركائز ثابتة في مسار الإصلاح، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية لا تُستورد، وإنما تُصنع بسواعد أبناء الوطن وعقولهم.
ولقد أثبتت التجارب أن الدول التي راهنت على الإنسان قبل الحجر، وعلى المعرفة قبل الثروة، هي التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانًا بين الأمم المتقدمة. وموريتانيا اليوم تسير على هذا النهج بثقة، واضعة الإنسان في صدارة أولوياتها، باعتباره رأس المال الحقيقي للأمة.
وفي هذا الإطار، تواصل حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي تنفيذ التوجيهات السامية لفخامة رئيس الجمهورية، من خلال برامج وإصلاحات تستهدف الارتقاء بمنظومة التعليم، وتوسيع فرص التكوين، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا، وتوفير البيئة المناسبة لإطلاق المبادرات المنتجة، بما يترجم الرؤية السياسية إلى منجزات ملموسة يشعر بها المواطن في مختلف أنحاء الوطن.
ويبرز برنامج “اسويد” بوصفه أحد النماذج العملية لهذا التوجه، إذ يجسد فلسفة جديدة في التنمية، تقوم على الانتقال من منطق الإعانة إلى منطق التمكين، ومن ثقافة الاتكال إلى ثقافة الإنتاج، ومن تقديم الدعم المؤقت إلى بناء القدرات المستدامة. وهي مقاربة حديثة تؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ حين يمتلك الإنسان أدوات النجاح بنفسه.
وقد رسخت السيدة الأولى، من خلال حضورها الميداني ورعايتها للمبادرات الاجتماعية والإنسانية، صورة مشرقة للدبلوماسية الاجتماعية الهادئة، القائمة على القرب من المواطنين، والإنصات لاحتياجاتهم، ودعم البرامج التي تعزز كرامة الإنسان وتفتح أمامه آفاق الأمل والعمل والإنتاج.
إن بناء الأوطان لا يتحقق بالخطب وحدها، وإنما بالرؤية الواضحة، والإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب. وحين تتكامل القيادة الرشيدة، والرؤية الاستراتيجية، والكفاءة الحكومية، والمبادرات المجتمعية، يصبح المستقبل أكثر إشراقًا، وتتحول الطموحات إلى إنجازات، والأفكار إلى واقع.
وهكذا تمضي موريتانيا، بقيادة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبالمتابعة الحثيثة لحكومة معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي، وبالإسهام النوعي للسيدة الأولى الدكتورة مريم محمد فاضل الداه، في ترسيخ نموذج تنموي يجعل الإنسان غايته الأولى، والمرأة شريكته الكاملة، والتعليم بوابته الكبرى، والتنمية المستدامة أفقه الذي لا يحيد عنه.
فإذا كان بناء الإنسان هو أعظم استثمار، فإن تمكين المرأة هو أذكى استثمار، لأنه استثمار في الأسرة، وفي المدرسة، وفي الاقتصاد، وفي مستقبل وطن بأكمله.