تدريس العلوم باللغة الأم… خطوة نحو استعادة المدرسة الوطنية* *بقلم المفتش:سيدي محمدولداخليفه

يمثل الإعلان عن اكتمال تأليف كتابي الرياضيات والعلوم الطبيعية باللغة العربية للسنة السادسة الابتدائية، مع دليليهما، في المعهد التربوي الوطني، إنجازًا تربويًا بالغ الأهمية، يتجاوز مجرد إصدار كتب مدرسية جديدة، ليعبر عن تحول نوعي في مسار المدرسة الموريتانية، واستعادة جزء من هويتها ورسالتها.

فالتجارب التربوية الرائدة في العالم تكاد تجمع على أن الطفل يستوعب المعارف والعلوم بصورة أفضل عندما يتلقاها بلغته الأم؛ إذ تكون اللغة في هذه المرحلة أداة للفهم والإبداع، لا عائقًا أمام اكتساب المعرفة. لذلك اعتمدت الدول المتقدمة تدريس العلوم بلغاتها الوطنية، مع الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية باعتبارها وسائل للتواصل والانفتاح والاطلاع على المعرفة الإنسانية، لا بدائل عن اللغة الوطنية في بناء العقل العلمي.

وفي هذا السياق، فإن تعريب تدريس الرياضيات والعلوم في المرحلة الابتدائية يعيد الانسجام بين المدرسة وبيئتها الاجتماعية والثقافية، ويمنح التلميذ فرصة لفهم المفاهيم العلمية بعيدًا عن عبء الترجمة الذهنية الذي يرهق المتعلم ويضعف تحصيله.

لقد أفرزت الازدواجية اللغوية، التي تعمقت منذ إصلاح 1999، نتائج سلبية على مخرجات التعليم؛ حيث وجد كثير من التلاميذ أنفسهم بين لغتين، فلم يتمكنوا من امتلاك ناصية العربية بالقدر الكافي في العلوم، ولا بلغوا مستوى راسخًا في الفرنسية يؤهلهم للتفوق العلمي. وكانت النتيجة جيلًا يعاني صعوبات في التحصيل العلمي واللغوي معًا، وانعكس ذلك على جودة التعليم ومستوى الخريجين.

وفي المقابل، نشأ نظام تعليمي موازٍ في المدارس الأجنبية والخاصة ذات التوجه الفرنكوفوني، استفادت منه أساسًا الأسر الميسورة، مما أدى إلى اتساع الفجوة التعليمية والاجتماعية، وأصبح أبناء الوطن يتلقون تعليمهم في مسارين مختلفين، لكل منهما مناهجه ولغته ومرجعياته، وهو وضع لا يخدم بناء مدرسة وطنية موحدة، ولا يعزز تكافؤ الفرص بين المواطنين.

إن وجود نظامين تربويين متوازيين لا يمثل مجرد اختلاف في لغة التدريس، بل ينعكس على وحدة المجتمع وتكافؤ الفرص وصناعة النخب المستقبلية. فالمدرسة الوطنية ينبغي أن تكون فضاءً جامعًا لكل أبناء الوطن، وأن توفر لهم تعليمًا عالي الجودة بلغتهم الوطنية، مع تمكينهم، في الوقت نفسه، من اللغات الأجنبية بوصفها أدوات للتواصل والانفتاح على الآخر.

ومن هنا، فإن إنجاز المعهد التربوي الوطني في إعداد كتب الرياضيات والعلوم الطبيعية باللغة العربية يستحق كل التقدير؛ لأنه يؤسس لمرحلة جديدة تعيد الاعتبار للمدرسة الجمهورية، وتؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تمكين الطفل من الفهم بلغته، ثم فتح آفاقه على لغات العالم، دون أن يكون ذلك على حساب هويته أو جودة تعلمه.

إن هذا المسار ليس انتصارًا للغة على أخرى، وإنما هو انتصار للتربية السليمة، ولحق الطفل في أن يتعلم بلغته الأم، وأن يمتلك، في الوقت ذاته، أدوات الانفتاح على العالم. فالأمم المتقدمة لم تنهض إلا عندما جعلت لغاتها الوطنية وعاءً للعلم والإبداع، ثم أتقنت اللغات الأجنبية بوصفها جسورًا للتواصل مع الأجنبي، لا بدائل عن الشخصية الوطنية.

ولذلك، فإن هذه الخطوة ينبغي أن تكون بداية مشروع وطني متكامل لتعريب تدريس العلوم في مختلف المراحل التعليمية، مع العمل على ترقية وكتابة اللغات الوطنية الأخرى بالحرف العربي، وتدريسها لكافة الأطفال الموريتانيين، حتى تستعيد المدرسة الموريتانية دورها في تكوين أجيال واثقة من هويتها، متمكنة من لغتها، ومنفتحة على العصر، وقادرة على المنافسة والإبداع.

المفتش: سيدي محمد ولد اخليفه

زر الذهاب إلى الأعلى