*محمد عبد الله ولد بين يكتب :* *بين النقد المشروع والتصفية الشخصية:* *قراءة في خطاب محمد ولد أمين تجاه العلماء*

في الحياة الفكرية والسياسية، يبقى النقد حقا مشروعا، بل ضرورة من ضرورات بناء الوعي وتصحيح الأخطاء. غير أن النقد يفقد قيمته العلمية والأخلاقية عندما يتحول من مناقشة الأفكار إلى استهداف الأشخاص، ومن تفنيد المواقف إلى النيل من الرموز.
ومن يتابع كتابات وتصريحات محمد ولد أمين خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن العلاقة بينه وبين بعض العلماء والدعاة، وفي مقدمتهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وكذلك المجاهد محفوظ ولد الوالد، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري الطبيعي إلى حالة من الاشتباك الدائم الذي يكاد يتحول إلى مشروع قائم بذاته.
وليس السؤال هنا: هل يجوز نقد العلماء؟ فالعلماء بشر يخطئون ويصيبون، ولا عصمة لأحد بعد الأنبياء. وإنما السؤال الحقيقي هو: هل ما يقدمه الرجل نقد فكري موضوعي، أم أنه خطاب يغلب عليه الانفعال الشخصي أكثر مما تحكمه قواعد البحث والإنصاف؟
إن المتأمل في هذا النوع من الخطاب يلاحظ عدة سمات بارزة:
أولا: التركيز على الأشخاص أكثر من الأفكار. فبدلا من مناقشة الآراء والاجتهادات والبرامج الفكرية، ينصرف الجهد الأكبر إلى التشكيك في النيات والطعن في الرمزية المعنوية للشخصيات المستهدفة.
ثانيا: الانتقائية في المعايير. فالأخطاء التي تُغتفر عند غيرهم تتحول إلى جرائم فكرية عندما تصدر عن هؤلاء العلماء، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول موضوعية النقد نفسه.
ثالثا: غلبة اللغة الانفعالية على اللغة العلمية. فحين يزداد منسوب السخرية والاتهام والتوصيفات الحادة، ويتراجع الاستدلال والتوثيق، يصبح الخطاب أقرب إلى التعبير عن موقف نفسي أو سياسي منه إلى تقديم مراجعة فكرية رصينة.
إن الشيخ محمد الحسن ولد الددو، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، يمثل قامة علمية تجاوز تأثيرها حدود موريتانيا إلى العالم الإسلامي كله. كما أن محفوظ ولد الوالد شخصية ارتبط اسمها بمراجعات فكرية وتجارب دعوية وسياسية معروفة. ومثل هذه الشخصيات لا تُناقش بالانفعال، وإنما بالحجة والبرهان.
لقد علمتنا التجارب الفكرية الكبرى أن الرموز لا تسقط بالصراخ، وأن الأفكار لا تهزم بالتجريح، وأن الاختلاف الحقيقي لا يكون في مستوى الأشخاص بل في مستوى الحجج.
ولذلك فإن من حق محمد ولد أمين أن يختلف مع الددو أو محفوظ ولد الوالد، وأن ينتقدهما ما شاء إلى ذلك سبيلا، لكن من حق الرأي العام أيضا أن يسأل: أين تنتهي حدود النقد الفكري، وأين تبدأ حدود التصفية الشخصية؟
إن المجتمعات التي تحترم نفسها تحتاج إلى ثقافة الحوار لا إلى ثقافة التشهير، وإلى مناقشة الأفكار لا إلى ملاحقة الأشخاص. أما حين يصبح الهجوم المتكرر على الرموز هو العنوان الأبرز للخطاب، فإن المتابع المنصف لن ينشغل فقط بما يُقال، بل سيتساءل أيضا: لماذا يُقال؟ ولماذا يتكرر بالقدر نفسه وبالحدة نفسها؟
ويبقى المعيار العادل في النهاية هو قوة الحجة لا ارتفاع الصوت، وسلامة الدليل لا قسوة العبارة، لأن التاريخ الفكري للأمم يخلد أصحاب الأفكار المؤثرة، لا أصحاب الخصومات الطويلة. ….